: آخر تحديث
بعد وقوع تدافع وإغماءات بين آلاف الزوار

أمن معرض الكتاب بالرباط يوقف حفل توقيع السعودي أسامة المسلم لكتبه

26
30
54

إيلاف من الرباط: أوقفت إدارة المعرض الدولي للنشر والكتاب بالرباط، بعد زوال السبت، حفل توقيع الكاتب السعودي أسامة المسلم لكتبه، وذلك بعد حالة الازدحام الشديد أمام الرواق المستضيف للحفل، وطوابير المنتظرين دورهم للفوز بتوقيع وأخذ صورة مع الكاتب السعودي.

وخرج الكاتب السعودي، في وقت لاحق، في شريط مصور، ليوضح موقفه مما حدث. فعبر عن أسفه وقدم اعتذاره للجميع، مشيرا إلى أن "الحفل ألغي حفاظا على سلامة الناس بعد حصول تدافع وإغماءات ". وشدد على أن "الوضع كان من الصعب السيطرة عليه". وأضاف أن الأعداد كانت كبيرة، وأن الأمن تدخل.


ازدحام كثيف على الرواق الذي احتضن حفل الكاتب السعودي أسامة المسلم

وبعد أن شدد على أن سلامة الناس مهمة، وعد المسلم بالتعويض والعودة الى المغرب قبل المعرض القادم وبرمجة حفلات توقيع بعدد من المدن المغربية.

وختم المسلم بتوجيه الشكر لإدارة المعرض والأمن. وقال إنه ليس حزينا لما حدث، قبل أن يخاطب متابعيه المغاربة: "أبشروا سيكون هناك عوض قريب".

وفجر ما حدث خلال حفل التوقيع الخاص بأسامة المسلم حالة من الدهشة والذهول وسط عموم المهتمين بالشأن الثقافي وشؤون القراءة في المغرب. وطرحت معه كثير من الأسئلة الحائرة، بمفعول الصدمة، أظهرت إجماعا على "استغراب" أن يجتمع الآلاف من الشباب تحت أشعة الشمس، على مدى ساعات من الانتظار في صفوف طويلة من أجل الحصول على توقيع الكاتب السعودي، إلى درجة اضطرار المنظمين إلى إيقاف النشاط، مشددين على أن ما حدث يحتاج إلى دراسة وتحليل.

المسلم "الساحر"
لخص الكاتب والباحث في التاريخ والفكر السياسي الإسلامي، الدكتور امحمد جبرون، لحجم الأسئلة التي أثارها حفل أسامة المسلم، حيث كتب على حسابه بـ"فيسبوك"، من موقعه ككاتب عاين ما حدث: "أنا كاتب غير ناجح أو لنقلها بصراحة فاشل! لاحظت اكتظاظا غير عادي خارج خيام المعرض وعلى طول الممر، وأنا الخارج للتو من "حفل" توقيع سلسلتي التاريخية التي أدعي أنها ناجحة ولم أوقع غير نسخ معدودة.


تدوينة الكاتب المغربي امحمد جبرون

سألت صديقا ناشرا كان بجانبي: ما الأمر عزيزي؟

سألته وعلامات الضجر بادية على وجهي من جعجعة المعرض بدون طحين.

أخبرني صديقي أن الأمر يتعلق بكاتب سعودي يوقع أعماله بالجناح القريب منا. بادرته بالسؤال من يكون هذا الكاتب النجم؟

أخطأ صديقي في ذكر اسمه، فألقت بي حيرتي خارج الرواق، ورمى بي الفضول بعنف نحو جموع الشباب، في محاولة للتعرف على هذا النجم.

خرجت لشارع المعرض الغاص بالناس، الذي لم يسبق له أن عرف حجيجا من هذا النوع، خرجت متلهفا لمعرفة هذا النجم.

سألت طفلات كبيرات: ما اسم الكاتب الذي ترغبن في الظفر بتوقيعه؟

أجابتني طفلة تدرس في التاسعة إعدادي: اسمه أسامة مسلم.

أنا مع نفسي: أسامة مسلم؟ لا أعرفه، وأنا الكاتب؟ أدعي معرفة معظم الكتاب العرب وخاصة المشاهير، لكن من يكون هذا الذي جمع أبناءنا حوله من كل المدن وتحت الشمس لساعات؟ وكيف وصل هذا الساحر إلى قلوب أولادنا؟

سألت جماعة من التلميذات وبعض التلاميذ أسئلة طفل يحاول معرفة السر: كيف عرفتم أسامة؟ وكيف وصلتكم دعوته لحفل التوقيع؟

أجابني أبنائي ببساطة ووضوح: عمو تعرفت عليه من خلال يوتوبور مغربي (يحدثني تلميذ). أجابتني تلميذة أخرى: تعرفت عليه بواسطة الأنستغرام. أجابتني أخرى: التيكتوك يا عمو.


من مشاهد الاكتظاظ خلال حفل أسامة المسلم بالرباط

أسقط في يدي وأنا أستمع لهؤلاء البنات الواقفات تحت الشمس لساعات. وأيقنت أن مناداتي بالمثقف والمفكر والكاتب فيها كثير من الزور. إذا لم أصل إلى قلوب وعقول هؤلاء، إذا لم يتعرفوا علي لا أستحق هذه الألقاب".

هاري بوتر المسلم
من جهته، كتب الأكاديمي والرئيس السابق لجامعة ابن زهر بأغادير، ومستشار المدير العام للإيسيسكو لاتحاد جامعات العالم الإسلامي، الدكتور عمر حلي: "مثل صف لن يتكرر ...شخصية هاري بوتر المسلم تزور المعرض. وليكن؟ فنحن لا نعرف ذلك الكاتب وليس لنا اطلاع على عناوينه. ولا نعرف شكل تلك الكتب ولا نكاد نميز ناشرها والنوع الأدبي الذي تنتمي إليه. ولكننا كلنا صُدمنا بذلك الزحف البشري الذي حل فجأة إلى المعرض، وذلك الصف الذي خُلق ورُتب وسط الخيام الكبيرة، وامتد من المدخل إلى الجناح الأخير. وكلنا تساءلنا في بداية الأمر: ماذا هناك. ما الذي يقع؟


أسامة المسلم معتذرا لقرائه 

شخصيا، استغربت لتنظيم ذلك الصف الطويل والعريض. وقلت في نفسي ربما هناك قاعة عرض أو مطعم في مقدمة الطابور! ربما! ولكن مخزوني الثقافي وصور المعارض التي حضرتها، هنا وهناك، لم تسعفني لخلق "أفق انتظار آخر"، ولم أتصور البثة أن الأمر يرتبط بكاتب وكتاب. هاري بوتر الشباب هنا! شخصية هاري بوتر المعرض تجلب هذه الحشود. هاري بوتر أسامة يزور المعرض، دون أن يُعلنَ عنه في مكبرات صوت إدارة المعرض. ثم يصطف الناس صفا صفا. من هؤلاء؟ لا نجد جوابا في الصفوف، بل في طاولة التوقيع، حيث نقلت لنا صورٌ لشباب أغلبهم في سن المراهقة أو يزيد قليلا، ولأن في الصف آباء وأمهات جاءوا لمرافقة أبنائهم للحدث الذي قد لا يعوض، بدا الصف مكتظا، بدا مثل صف لن يتكرر.

وليكن! فالصف يؤدي بنا حتما إلى الحديث عن وجود قراء آخرين، يتدثرون خلف صفحاتهم، دونما حاجة للنقاد والأدباء الذين نعرفهم، بل وربما دونما حاجة لمعرفة ما يجري في قاعات المعرض. قد يكون الأمر كذلك. ولكن يجب أن نعلم بأن نهاية توقيع كتب هاري بوتر، أسامة المسلم (وهذا اسمه، وقد عرفته بعد معرفة دواعي الصف، وكنت جاهلا بوجوده تماما) كانت بداية تدفق للزوار نحو باقي الأروقة التي ظلت مفتوحة إلى وقت تجاوز وقت الإغلاق أمس، وكنت شاهدا على ذلك. أي أن تضاعف الزوار أدى إلى تنشيط خاص للمعرض أمس، وجعل الإعلام وشبكات التواصل تهتم بالموضوع.

لقد نشر صديقي سعيد الباز، الشاعر والمترجم الأنيق، تدوينة أمس حول هذا "الصف"، راقني المنحى الذي سارت فيه. فقد كتب أن" الأهم من كلّ ذلك، أن نطرح سؤالا أقرب إلى البديهة: من أين جاء هؤلاء القراء؟ وهل حدث من قبل أن أحدث كتاب ما، رغم أهميته، هذا التهافت أو الاستعراض على حدّ قول غي ديبور؟أظنّ أنّ في الأمر شيئا آخر يسلط الضوء على ظهور نمط جديد ل(التداول الثقافي )". وأنهى حديثه بالحديث عن "عملية الإخضاع عبر وسائل التواصل والمنصات الافتراضية، بدت كما لو أنّها قد وجدت طريقها إلى الحقل الثقافي والإبداعي، وما هي إلّا بداية!!!" وأنا أشاطره الرأي، وأتذكر في الوقت نفسه، تلك الأعداد الكبيرة من الناس التي كانت قد حضرت توقيع كتاب الرحيل للعربي باطما، إلى درجة استدعت إحاطة أمنية في الحي. كما أذكر أن بعض اللقاءات مع كتاب في الجامعات كانت تملأ المدرجات عن آخرها، من كل الاتجاهات، من الحداثيين ومن الفقهاء ومن الخطباء. فلا ضير، إذن، إن تغيرت الباراديغمات اليوم. فلغتنا لا تنصت لهؤلاء الشباب ولا تعيرهم الاهتمام الكافي، ولا تنتبه لاهتماماتهم.

وعلينا أن نقف عند الأسلوب التسويقي الذي يعتمده هذا الكاتب الشاب، لنفهم بأن هناك عملا تواصليا ثقافيا مغايرا يُعتمد من طرف هؤلاء الذين ننظر إليهم باستعلاء.

وسأنهي كلامي بالتذكير بما عشناه في لقاء بداية هذه السنة، نظمته مؤسسة الفقيه التطواني، وشاركت فيه، إلى جانب الكاتبة لطيفة باقا والأخت الأستاذة رشيدة رقي، والباحثة السوسيولوجية رحمة بورقية، وطرحنا خلاله النقاش حول موضوع التفاهة الثقافية وميل الشباب نحوها، وبسطنا أسئلة حول الطرائق التي يعتمدها هؤلاء من أجل أن يتشرب الشباب أعمالهم. فأجاب شاب عن ذلك وقال لنا بصيغة استنكارية: حاولوا أن تعملوا على استقطاب الشباب كما يفعل هؤلاء، لعلكم تفلحون. وإلى ذلك الحين لن أحكم على أعمال الكاتب الذي خلق الحدث، إلى حين التعرف على أعماله أو على بعضها. وقد قرأت في  محركات البحث أمس أنه يعتمد الخيال العلمي ويعتمد على الفزع والخوف والتشويق في أعماله. سوف نرى. ولكن الصف الذي لن يتكرر ملأ الدنيا وشغل الناس".


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في أخبار