إسماعيل دبارة من تونس: منذ أن اندلعت ثورات ما يعرف بـ"الربيع العربي"، تعفّف الجزائريون عن النهل من تلك الانتفاضات والنماذج، نظرا لإرثهم المثقل بالمعاناة والدم في التسعينات. فما الذي تغيّر اليوم حتى ينتفض الجزائريون بالآلاف من أجل التغيير؟
لم تكن استجابة الجزائريين في العام 2011، عندما أحرق التونسي محمد البوعزيزي نفسه قادحا لشرارة ما بات يعرف بـ"الربيع العربي"، بذات الحماسة التي بدا عليها المصريون والليبيون واليمنيون، وبدرجة أقل المغاربة مع حركة 20 فبراير الشبابية.
فزاعة "العشرية"
ومردّ تلك الاستجابة الفاترة حسب محللين، هو شبح "العشرية السوداء" والصدام الدامي بين الاسلاميين والجيش الجزائري عقب انتخابات لم ترق نتيجتها للجيش النافذ.
وعلى مدار سنين طويلة، يتخذ الخطاب الرسمي الجزائري من "العشرية السوداء" ما بات يشبه الفزاعة لمنع اي احتجاج طلابي أو سياسي أو نقابي أو عمّالي، وعادة ما توصم التحركات المطلبية بأنها "دعوة للفوضى" و"حنين للعشرية السوداء".
وفي الحقيقة، كان المزاج العام في الجزائر متقبلا لفكرة "الاصلاح رويدا رويدا"، عوضا عن "ثورة طفروية" تطيح بالنظام وتفسح المجال أمام الفوضى وتعيد سنوات الرصاص والدم إلى البلد الغني بالطاقة.
ويوم الجمعة، خرج الآلاف إلى شوارع العاصمة ومدن أخرى لدعوة بوتفليقة البالغ من العمر 81 عاما لعدم خوض الانتخابات الرئاسية المقررة في 18 أبريل المقبل، ولا يبدو من الشعارات التي رُفعت يومها أنّ الشباب الجزائري مازال معنيا بـ"الهدوء" والاصلاح على طريقة "الري قطرة قطرة" والذي لم يؤتِ أكله طوال سنين ولم يغيّر أوضاع الجزائر الاقتصادية والسياسية نحو الفضل، إذ بدت كدولة تغرد خارج سرب المُتغيرات التي تجتاح العالم والمنطقة العربية على وجه التحديد.
ولم يشاهد بوتفليقة، الذي يشغل منصب الرئيس منذ عام 1999، علانية إلا مرات قليلة منذ أن أصيب بجلطة دماغية عام 2013، ويعالج الرئيس المُقعد حاليا خارج البلاد وسط ترقب وخوف كبيرين في الشارع الجزائري.
تحدّي الخطاب الرسمي
هتف المحتجون خلال مظاهرة جديدة يوم الأحد "الشعب لا يريد بوتفليقة"، ومنذ أن اختار حزب جبهة التحرير الوطني الحاكم بوتفليقة مرشحا له، أعلنت عدة أحزاب سياسية ونقابات عمالية ومنظمات أعمال أنها ستدعمه ومن المتوقع أن يفوز بسهولة إذ أن المعارضة ضعيفة ومنقسمة.
والإضرابات والاحتجاجات على المظالم الاجتماعية والاقتصادية متكررة في الجزائر لكنها عادة ما تكون محدودة ولا تتناول الشأن السياسي، فالجميع يستذكر سنوات دامية عاشتها الجزائر في التسعينات بسبب المطالبة بالديمقراطية والحريات واحترام الصندوق.
وأكثر من ربع الجزائريين دون سن الثلاثين عاطلون عن العمل وفقا للأرقام الرسمية. ويشعر كثيرون بأن النخبة الحاكمة المكونة من مقاتلين مخضرمين من حرب الاستقلال الجزائرية (1954-1962) مع فرنسا، منفصلة عنهم بشكل تام، ولا تستجيب لمطالبهم.
سنوات الدمّ
تفجرت أحداث دامية في يناير من عام 1992 عقب إلغاء نتائج الانتخابات البرلمانية لعام 1991 والتي حققت فيها الجبهة الإسلامية للإنقاذ (الفيس) فوزا واضحا، مما حدا بالجيش الجزائري التدخل لإلغاء الانتخابات البرلمانية في البلاد مخافة من فوز الإسلاميين فيها، وهو ما اعتبره كثيرون "اجهاضا" للمسار الديمقراطي في البلاد.
وقام صراع مسلح دامٍ بين النظام الجزائري وفصائل متعددة تتبنى أفكارا موالية لـ"الجبهة الإسلامية للإنقاذ" والإسلام السياسي الذي ذاع صيته يومئذ.
بدأت المواجهة فعليا عندما استطاعت الجبهة الإسلامية للإنقاذ هزيمة الحزب الحاكم (جبهة التحرير الوطني) في الانتخابات البرلمانية الوطنية. ألغيت الانتخابات بعد الجولة الأولى وتدخل الجيش للسيطرة على البلاد، وتم حظر الجبهة الإسلامية للإنقاذ واعتقل الآلاف من أعضائها، وشنت الجماعات الإسلامية حملة مسلحة ضد الحكومة ومؤيديها، وقامت بإنشاء جماعات مسلحة اتخذت من الجبال قاعدة لها، وأعلنت الحرب على الجبهة الإسلامية للإنقاذ في عام 1994.
بعد انهيار المحادثات أجريت الانتخابات وفاز بها مرشح الجيش الجنرال الأمين زروال. بدأت الجماعة الإسلامية المسلحة بسلسلة من مذابح تستهدف الأحياء و قرى بأكملها بلغ العنف ذروته في عام 1997، وتسببت المجازر وارتفاع عدد الضحايا في إجبار كلا الجانبين إلى وقف إطلاق النار، وفي هذه الأثناء فاز الطرف المؤيد للجيش بالانتخابات البرلمانية في ذات العام.
في عام 1999 تم انتخاب بوتفليقة، وبدأ عدد كبير من المقاتلين الإنسحاب والاستفادة من قانون العفو الجديد، وبدأت الجماعات تنحل وتختفي جزئيا بحلول عام 2002 وتوقفت عمليات القتال، باستثناء مجموعة منشقة تسمى الجماعة السلفية للدعوة والقتال والتي انضمت لاحقاً إلى تنظيم القاعدة في أكتوبر 2003.
الجزائر تتغيّر
يحاول إسلاميو الجزائر منذ سنوات تسويق خطاب معتدل لاستقطاب الناخبين وطمأنة الجزائريين بعد الأحداث الدامية في تسعينات القرن الماضي وإظهار قدرة على الاندماج ضمن النسيج الوطني بعيدا عن التخندق الأيديولوجي الذي كلف الجزائر غاليا بعد مشاركة جبهة الإنقاذ الوطني الإسلامية (الفيس) وما تلا تلك المشاركة من حمام دم مرعب.
وشاركت حركة مجتمع السلم التي تأسست في 1990 والتي تمثل الفرع الجزائري لجماعة الإخوان المسلمين في كل الاستحقاقات الانتخابية منذ 2004 حتى العام 2012، في الوقت الذي واجهت فيه انشقاقات أضعفت حضورها في المشهد الجزائري وكان آخرها في 2008 حين انبثقت عنها حركتا البناء الوطني وجبهة التغيير.
وثمة خلافات بين الأحزاب الإسلامية في الجزائر حالت دون تكتلهم في جبهة واحدة في مواجهة مرشح السلطة في كل استحقاق انتخابي، على الرغم من توقيع عدد منها وثيقة اندماج، أما الجماعات التكفيرية المسلحة، فقد تقلص نفوذها للغاية بعد ضربات مؤلمة من الجيش، ولو أنها مازلت قادرة على تنفيذ بعض الضربات بين الفينة والأخرى.
جيل جديد مختلف
ومع توالي الدعوات اليوم للتصدي لـ"العهدة الخامسة"، يعتمد الخطاب الموالي في الجزائر كثيرا على شبح العشرية السوداء لاقناع المنتفضين ضدّ بوتفليقة بأن البلاد ليست في مأمن عن سيناريو مشابه لما جرى في التسعينات.
لكنّ المتابعين يرون أنّ الجزائريين بمسيراتهم السلمية والمنظمة والراقبة، الرافضة للعهدة الخامسة، قدمت دروسًا لكل السياسيين المتخوفين من "حمام دم جديد"، فوعي شباب الجزائر اليوم يختلف كثيرا عن وعي التسعينات، فالبلاد أمام جيل مختلف ومتعلم ومتعطش للحرية، ويضع نصب عينيه ما جرى في دول مجاورة من عثرات وربما استفاد من أخطاء جيرانه، في حين أن دور ووزن الاسلاميين في التحركات الحالية لا يبدو معلوما بعد، خاصة وأن مواقف الاسلاميين ليست موحدة تجاه النظام الجزائري الذي يريد تغيير قشرته بشكل سلسل وبلا صخب.
ولم تخبر وكالات الأنباء التي كانت حاضرة في تظاهرات الجمعة عن اصابات أو عنف، باستثناء بعض الغاز المسيل للدموع الذي أطلق الجمعة تجاه جمع حاول بلوغ قصر الرئاسة، أما غالبية التظاهرات فكانت سلمية ومحكمة التنظيم ولم تشُبها اي اختراقات أو عنف أو تخريب، على غرار احتجاجات "السترات الصفراء" في فرنسا التي تعتبر مهد الديمقراطية الحديثة والحريات.

وتناقلت وسائل التواصل الاجتماعي صورا مفعمة بالأمل عن التضامن الشعبي الكبير في الجزائر، وفيها مواطنون يجوبون الشوارع بأكياس القمامة الفارغة، مرتدين قفازات بيضاء، ينظفون شوارعهم من بقايا ما علق فيها من قمامة بعد المسيرات السلمية.
رسائل أمل
تقول الصحافية الجزائرية إيمان عويمر في تعليق على الموضوع نشره موقع TSA عربي: "أظهر المحتجون سلوكًا حضاريًا، بعدما نشر ناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي، مقاطع فيديو لمواطنين ينظفون الشوارع والطرقات من الأوساخ وقاروات المياه التي رميت من طرف بعض المحتجين".
تضيف: "رسالة أخرى يمكن استنباطها أن أغلب الشعارات المرفوعة تمحورت حول مطالب سياسية، ولم نسمع أي أحد يتحدث عن الجهوية أو ضرب وحدة واستقرار الوطن".
وخلصت إلى القول إنّ "خروج الشعب الجزائري إلى الشارع، أعاد الحياة إلى المشهد السياسي، وبيّن أن المواطن مهتم بشؤون بلاده، ويكفي فقط أن يلتفت له المسؤولون ويجسدون مطالبه المرفوعة ويضعون اعتبارًا لانشغالاته، لأن الشعب سيد الحكم، وبه تنهض الأمم وتتطور وتزدهر".


