: آخر تحديث

رحل "عابر" الصحافة السعودية

14
12
11

استبدل الراحل محمد بن عبداللطيف آل الشيخ الصحافيين بالأدباء والشعراء في مجلسه. كان يستقبل الصحافيين، في بيته، على مدى سنوات، وهو المجلس الوحيد في السعودية الذي يجمع صحافيين. كانت جلسته منتدى لطرح الأفكار الصحافية، وهموم المهنة وأحوالها، وتطلعات الصحافيين ومشاريعهم، والتي شاركهم في بعضها. لم ينجح كناشر بقدر نجاحه ككاتب وناقد صحافي جسور وداعم للصحافيين الشباب.

تولع أبو عبداللطيف بعالم الصحافة والكتابة، وترك عمله في المقاولات والتجارة، وانضم إلى الصحافيين، وصار يستقبلهم في منزله، وفتح لهم أبوابًا للتفكير والنقاش، حتى أضحى مجلسه أسرة يجمعها نسب الصحافة، ودارة لصنع الأفكار ودعم المواهب.

في منتصف ثمانينات القرن الماضي، بدأ محمد آل الشيخ الكتابة بأسماء مستعارة في مواقع الإنترنت التي كانت في بداياتها. كان من أوائل الذين دخلوا عالم الصحافة الإلكترونية بمساعدة المستشار #سعود_القحطاني، الذي كان عرّاب الصحافة الإلكترونية السعودية في بداياتها، وأحد أهم رواد صناعتها وأبرز نجومها. امتلك سعود القحطاني ناصية مهارات التعامل مع عالم الإنترنت وفنونه، وساهم في تدريب وتشجيع جيل من الصحافيين والكتاب من أشهرهم محمد آل الشيخ. لاحقًا، شارك سعود في إثراء بعض الصحف الإلكترونية السعودية التي نشأت مع مطلع القرن الجديد. كان المستشار سعود القحطاني مرجعية للصحافيين السعوديين حول الصحافة الإلكترونية، وكان من المبشرين بمستقبلها منذ وقت مبكر وكأنه يرى واقعها اليوم. لعب سعود القحطاني دورًا مشهودًا في تجسير علاقة محمد آل الشيخ بمؤسسات وشخصيات، ومنحه دعمًا معنويًا استطاع الراحل من خلاله أن يلعب دورًا مرموقًا في الصحافة السعودية على مدى سنوات.
كان محمد آل الشيخ قارئًا نهمًا للكتب، شاعرًا ومتذوقًا للشعر، مطلعًا في التاريخ وعلم الأنساب والمذاهب الإسلامية. كان يستهويه مداولة النقاشات في القضايا الشائكة، ويستخدم رصيده الثقافي لثراء مسامراته الصحافية في مجلسه الشهير. تعامل محمد آل الشيخ مع دوره بجدية وحاز رؤية واضحة لدوره. كان مواظبًا على متابعة ما تنشره الصحف والدوريات، يناقش الكتاب في مقالاتهم، ويشهد المناسبات الثقافية. عمل مستشارًا صحافيًا مع الراحل الأمير أحمد بن سلمان. كان يسعى إلى الآخرين ومعرفة أفكارهم.
اتصل بي في أحد الأيام، وقال لي أريد منك أن تعرفني على مؤلف كتاب "السعوديون والحل الإسلامي"، جلال كشك. بعد زيارة للقاهرة استمرت ثلاثة أيام، جلسنا خلالها إلى جلال كشك، ودخل معه محمد آل الشيخ في نقاشات حول تاريخ السعودية، وتسمية أهل الدرعية بـ"أهل العوجا"، وأصل التسمية والخلاف حولها. في رحلة العودة، قال لي أبو عبداللطيف: "اللي يجلس مع جلال كشك يحس أن هذا الرجل يتمشى في حي دخنة"، كناية عن دراية جلال كشك بأدق تفاصيل تاريخ الدولة السعودية. لاحقًا أخبرت الراحل جلال كشك بملاحظة محمد بن عبداللطيف آل الشيخ، فابتسم وقال بسخريته المعهودة: "دي شهادة مهمة يا داود، صاحبك ده حفيد الملا!"

رحم الله محمد بن عبد اللطيف أل الشيخ.

*نُشر هذا المقال في حساب داود الشريان على منصة X


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في كتَّاب إيلاف