: آخر تحديث

بلد الغريب‎

10
9
7

أزعم أن شعب مصر من أقل الشعوب عصبية إلى جنسيتهم، أو قوميتهم، أو عنصرهم، ولا تكاد ترى إساءة منهم لأهل جنس آخر قدم عليهم، وأقام في ديارهم طالبًا علمًا، أو أمنًا، أو رزقًا، بل تجد منهم الخلق السمح عادة وسجية يلقون بها إخوانهم من الوافدين، ولئن نالوا بعضهم بكلمة أو غمزة فما ذلك عن عصبية أو عنصرية أو ضغينة يتعمدونهم بها، بل هو مزح في طبع المصريين (يثقل حينًا ويخف أحيانًا)، وهم ينالون به أنفسهم وحكامهم قبل الوافد أو المهاجر، لكن الغالب عند المصريين هو طبع السماحة، والمعايشة، والاسترسال إلى كل من قدم علينا، ونحن المصريين لا نتلقى هذا الخُلُق تأديبًا من شيخ، ولا تلقينًا من معلم، لكن هو طبع وسجية في نفوس المصريين أنهم لا يرون في المهاجر عدواً ينازعهم أرضهم، ولا شريكًا يستلب أقواتهم، بل يرونه جارًا له حق الجوار، وخليطًا له حق الصحبة، وصهرًا له حق النسب والقربى، وإن وجدوا منه خلة وعوزًا رأوا أن له عليهم حق الرفد والمعونة. وأنا أعزو تلك السجية المصرية السمحة في معاملة الوافدين إلى أن كل مصري معترف في علانيته، ومُقِرٌّ في ضمير نفسه بأنه كان يومًا أحد هؤلاء الوافدين؛ جاء أجداده مصرَ قبل مئة، أو ألف، أو ثلاثة آلاف من الأعوام، فهو يرى في ذات نفسه أنه وهؤلاء القادمين سواسية وإن اختلفت أقدميات الحضور والسبق، لكن يظل مسمى القديم والجديد "وافدًا أو مهاجرًا"، فمن أجل ذلك ترى هذا يسع ذاك ولا يعاديه، "وكل غريب للغريب نسيب"، فذلك هو الطبع العام عند جمهور المصريين، إلا عند قلة قليلة من البشر، في برهة قليلة من الزمن.

وزعمي هذا ليس تعصبًّا على مصريتي، ولا مناوأة لجنسيتي، ولا وضعًا من قومي وإخوتي، لكنها الحق المبين الذى رأيناه حيًّا سميعًا بصيرًا ناطقًا يسعى بيننا على قدمين، فهذا أحمد مكي الممثل المصري أبوه جزائري، وهذا حسين فهمي الممثل المصري من أصل جركسي، وهذه المغنية المصرية نجاة الصغيرة بنت الشيخ الخطاط السوري محمد حسني، وقبلهم كان شوقي بك أمير الشعراء ذو أعراق مختلطة، وعناصر متباينة، فهو مصري أصوله كردية يونانية تركية، وهذا أنتَ أيها القارئ الكريم تُدعى محمود الحلبي، وهذا ابن خالتك أحمد الشامي، وذاك جارك حسين اليماني، وذلك زميلك عاصم المغربي، وذا صهرك طارق السوداني، وهذا صديقك جابر العراقي، وأقول لك واثقًا إنك لو نظرت في شجرة الأنساب مما قبل الفتح الإسلامي لوجدت فيها سنب الكوشي، وأنتونيوس المالطي، وبيشوى الليبي، فهذه ليست نعوتًا مختلقة، ولا ألقابًا مخترعة، لكنها تدل على أصل حاملها الذى منه جاء قبل أن يتمصر.

فعلام اليوم تنظر شذرًا يا شامي إلى أخيك الشامي وقد سبقه أبوك إلى مصر؟! وعلام تذكر يا سوداني أخاك السوداني بما يكره وقد سبقه جدك إلى مصر؟! وفيم خلافك يا يماني وجارك الصنعاني وقد وفدت قبله إلى مصر؟!

يا صاحبي، من غير طويل جدال، ولا كثير احتجاج، هذه ألقاب أجدادنا تدلنا على أصول أنسابهم، ومسقط رؤوسهم، وتعرفنا أن أكثرهم إن لم يكونوا كلهم إنما هم وافدون ومهاجرون اختلفت أزمنة وفودهم وهجرتهم، ومن زعم غير ذلك، وادَّعى أنه خالص المصرية، وسلَّمنا له بما قال، فإنه لا شك قد دخلته أعراق من أمم مختلفة على العصور المختلفة، ففيمَ التشاحن والتضاغن؟!

يا صاحبي، إن أحدنا لا ينبغي أن يكون دُمية تُرسَل فيُتلهى بضجيجها ورقصها حينًا ثم تُمسَك فتكف! إن هذا الإعلامي له فيك مآرب أخرى، فلا تكن له بوقًا! وإن هذا المتابَع يبتغي بمشاهداتك وتعليقاتك جني الأرباح، فلا تكن له تابعًا! وإن هذا المتوهِّم الكميتي، وتلك المتوهِّمة الكميتية يحسب أحدهم نفسه حفيد تحتمس الثالث، ووصي عرشه، ووريث خزائنه، ولعله لم يكن في أصل منبته إلا وصيًّا على حجر رحى، ووريثًا لجذل حطب في بادية من البوادي، فلا تكن إمعة لأوهامهم!

إقرأ أيضاً: العيال كبرت

فأما إن كان غضبك وحِدَّتك هذه خشية منك على قوتك، ورزق عيالك فاعلم أنه مع الإنسان تولد حاجاته، واليوم قد صار تعداد المهاجرين تسعة ملايين نفس، وهذا مقدار تعداد محافظتين، فلا بد لهؤلاء التسعة ملايين من إنفاق المال على معايشهم، وحاجات عيالهم، فيتداول المال، وتنشط السوق، وتزيد المصانع عملها وعمالها، وتزيد مبيعات التاجر، كل ذلك بما لديهم من أموال تأتيهم من أعمالهم إن كانوا عمالًا أو أرباب أعمال، أو تُحَوَّل إليهم من أهليهم المغتربين خارج مصر، أو تدفعها لهم مفوضية اللاجئين، فمخطئ من ينظر إلى أخذهم دون النظر إلى إنفاقهم، ولربما هذا المهاجر الذى تضيق به، وتزعم أنه يضيق عليك رزقك، ربما هو يُدخِل الخزانة أكثر مما يُنفَق عليه.

أما غلاء أجرة المساكن على المصريين لعرض الوافدين المال الكثير، فلماذا نذكر المستأجر الوافد الذى يريد مسكنًا يؤويه بأي أجر، ولا تذكر المالك المصري الذي يرفع الأجر على أخيه المصري؟!

وأما إن كنت تخشى عليهم أن يسلبوا مصر آثارها وينسبوها لأنفسهم، أو أن ينتزعوا من مصر قطعة أرض ويضموها إلى أرضهم، فتلك مهاترات جهلاء مجاهيل، يلغون مع اللاغين، ويخوضون مع الخائضين، ويهرفون بما لا يعرفون! ولو تركوا القول لأهل التخصص لكان أسلم للجميع، ولو تمثل الوافد بما قاله الحكماء: "يا غريب كون أديب" لكان خيرًا لهم.

إقرأ أيضاً: مَالَ واحتجب!‎

فأما إن كنت تخشى على وجه مصر، وصبغة مصر، وقلب مصر أن يتبدل أو يتغير، فاطمئن وقر عينًا، فإن مصر لا تزال منذ قديم الأزمان تتلقى الهجرات هجرة بعد هجرة من هذا الشعب ومن تلك الأمة، فتضم هؤلاء، وتؤوى هؤلاء، ثم تصبغهم جميعًا بطميها، وتعمدهم جميعًا في نيلها، فإذا الأحمر، والأبيض، والأسود قد صار مصريًّا يشبهك وجهًا، ولسانًا، وطعامًا، وعُسرًا ويُسرًا.

فلا وجه لعصبية مصرية من هذا، ولا وجه لإساءة أدب ومكايدة من وافد، وكونوا عباد الله إخوانًا.

وفضوها سيرة.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في كتَّاب إيلاف