: آخر تحديث

الدجل الرقمي: إستحمار البلهاء في عصر الذكاء

46
47
31
مواضيع ذات صلة

الدجل وإستحمار البشر، لا سيما البلهاء منهم، ظاهرة قديمة قِدم الإنسانية. ونجد في كتابات المؤرخين أمثلة كثيرة. فكان الإنسان البدائي يخاف كل شيء، يُحدِث له ضررًا أو هلاكًا كالسيول والأمطار الجارفة والضواري، ويأخذ بالتوسل لدفع شرها ويتوهم أنها تمثل ذواتًا أو أشخاص يجوز أن تقدَّم لهم القرابين وأن يلتمس منهم كف الأذى، ومن هذا الباب دخل الدجالون وأوجدوا لهم موطئ قدم. فعلى مخاوف الناس وأمراضهم ذاع صيت الدجالين. ولعل تسميتهم بـ«تجار المخاوف والأمراض» لائقة بمقام فعلهم الدنيء.
يتلاعب الدجال بالعقول من خلال إثارة المخاوف، والإدعاء بقدرته على التواصل مع ذوات أو أرواح غير محسوسة. كما أنه يستغل تدين المجتمعات بإيهام جهلتهم بأنه مقرب أو ولي أو من المرضي عليهم. ويدعي الدجال قدرته على حل المشكلات، بل وفي أحيان كثيرة يوهم مرتاديه بوجودها، أي يختلق مشكلات لا أساس لها.

@alshecha_raghad #bestoftiktok ♬ الصوت الأصلي - عالمة الفلك الشيخة رغد

وظاهرة كظاهرة الدجل، منتشرة في طول العالم وعرضه لا سيما الدول التي يقل فيها مستوى التعليم. كما أن ممارسات الدجل تتطور تبعًا لتطور المجتمع، وتواكب المتغيرات الحديثة فيه. ففي كل عصر وزمن يتمكن الدجالون من إيجاد سبل ينْفَذُّون من خلالها ويروجون بضاعتهم.  
ولم يتوقع أعتّى المفكرين والمنظرين أن الطوفان الرقمي الهائج سيغير كل شيء من حولنا. بالفعل كل شيء بدءًا من نمط الإستهلاك، وصولًا إلى التعليم وتشخيص الحالات المرضية. كل الأمثلة المار ذكرها، رُقْمِّنت ورُقمِّن غيرها الكثير. لكن المدهش في موضوع الرقمنة، تسلل الدجالين إليه، وولوجهم إلى فضاءات الإنترنت متسلحين بأدواتهم القديمة، باذلين جهدهم في سبيل رقمّنتها هي الأخرى.
تاريخيًا إرتبط الدجل بالممارسات الطبية العشوائية وترويج الأدوية الغير مثبت فاعليتها، فالطب والطبابة هي موقع مفضل لممارسة الدجل. 
والدجل لغةً يعني الكذب، كما يعني أيضًا تغطية الشيء حتى لا يراه الناس. والدجل نقيض للحقيقة. فهو ممارسة تهدف إلى تزييف الحقائق للوصول إلى غاية ومنفعة شخصية. قد تكون تحصيل مال أو إشباع شهوة. أو شهرة في الحالة الرقمية.
تتوافر للدجل أركان عدة أحدها: سوء النية والمقصد، ومنها أيضاً جهل الدجال وعدم معرفته بالحقيقة أو إخفاؤها، كما لا بد أن يتوافر في الطرف الآخر المتعامل مع الدجال أسباب السذاجة والأمل الخادع الذي يسعى إليه. وعلى آمال الضعفاء تمتلئ جيوب الدجالين.
إن الإستحمار كما عرفه كثيرون هو كل فعل يسلب الوعي والنباهة. وبذلك فإن الدجل والإستحمار متلازمان لأن كلٌ منهما يخدم الآخر، فمن يمارس الدجل، يمارس الإستحمار. ويمكن القول بأنه: لا دجل بلا إستحمار.
يهيمن الدجال على عقل الضحية ويبذل سعيه في عزل الأخير عن الواقع، وإستحماره من خلال إلزامه بإتباع ممارسات في مظهرها قد تبدوا مقدسة. وسرعان ما يَثْبت لاحقًا عدم جدواها. مما يفاقم حالة الضحية ويزيدها سوءًا.

لماذا يميل البعض لتصديق الدجالين
يَسْتحسِنُ البعض الدجل بالرغم من عدم فاعليته لأسباب منها:
•    الجهل: إن قلة التعليم، وشيوع ثقافة الدجل بين أفراد المجتمع، سبب رئيس في إنتشار ممارسات الدجل وتصديقها.
•    الإنحياز التأكيدي: قد يميل الفرد أحيانًا إلى تصديق كل ما يفترضه من آراء ووجهات نظر، فيرى تفسيره لأي حدث هو الصحيح، ويستند في تفسيره على معتقدات إما متوارثة ومكتسبة من البيئة، وإما عن غرور وسوء تفكير.
•    تأثير الدواء الوهمي: تقوم بعض الأدوية غير الفعالة بإيهام العقل بفاعليتها، فيتبنى الفكرة ويصدقها، وبالفعل قد يشعر المريض في حال تلقيه لدواء غير فعال بتحسن، ولكنه بالطبع ليس علاجًا للمرض البيولوجي، وإنما إيهامًا نقله العقل الباطن للعقل الظاهر.
•    التسويق للدجل: إن تسويق أي شيء غير حقيقي أو غير مفيد، يحوله بالضرورة إلى حقيقي ومفيد، على الأقل بالنسبة لمتلقيه أو مستهلكه.

الدجل الرقمي: محاولة لصياغة تعريف
للحديث عن شيء، لا بد أولًا من تحديد ملامحه وسماته، والدجل الرقمي كما أعرفه: ممارسات طبية أو علاجية مضللة، كما أنه قد يكون على شكل تفسيرات غير منطقية لا تستند على أساس علمي واضح متماسك، يقدمها أشخاص بغرض التربح المادي أو المعنوي، عبر شبكة الإنترنت العالمية.
ممارسات الدجل الرقمية قد تكون على شكل تفسير للأحلام والرؤى، أو قراءة للطالع من خلال تاريخ الميلاد أو شكل الحواجب، أو حتى شكل التوقيع. تحليل الأبراج وترابطها وعلاقتها ببعضها، والإدعاء بإخراج الجن وإبعاد المس، والقدرة على جلب الحبيب، كلها ممارسات رقمية للدجل. كما أن شعوذات الطاقة تصنف ضمن تلك الممارسات المخادعة. 
بثوث إستخراج الجن
في غرفة رقمية لا تملؤها إنبعاثات الدخان والبخور، تحديدًا على تيك توك التطبيق الصيني باتع السر - كما يقول الدجالون - ليس من المستغرب أن تشاهد بثًا مباشرًا يظهر فيه شخص تتضح عليه سمات التدين الشكلي، يقرأ وردًا من الآيات والأدعية وأحيانًا الطلاسم على شخص آخر في نفس البث يصرخ وتخرج منه أصوات – مصطنعة في الغالب – 
فيقول له الممارس الرقمي للدجل: أخرج من جسد فلان وإلا أحرقتك.
ليرد الثاني: لن أخرج. 
تلك هي المسرحية التي حُبِكَتْ نصوصها قبل دقائق من البث.
يعتبر تطبيق كتيك توك موردًا خصبًا لضحايا الدجل، نظرًا لسهولة إستخدامه، فالجاهل والأمي الرقمي، والطفل، والعجوز المسنة، والأبله، والساذج، جميعهم يستخدمون التطبيق. والدجال يعرف كيف يصطاد ضحيته من بين هؤلاء.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في كتَّاب إيلاف