: آخر تحديث
أضواء

على الأغلب لن تصل

5
4
4

لا أتصورني مبالغًا في الكلام عندما أقول إن أغمّ الرسائل هي التي تُرهق نفسك في كتابتها، وتَتعب جدًا في لملمة أطرافها المبعثرة، وتُجهد ذاتك أكثر من اللازم وأنت تُرتِّق أضلاع حروفها الحادة المتنافرة، وفوق ذلك تتجرأ على الإعلان عن مضمونها الذي هو مكنونك السري جدًا وقد صار مكشوفًا للقاصي والداني، إذ تجازف في النشر متحملًا كل تبعات المصرَّح به، ولكن الذي يؤلمك في شأن الكلامِ المرسلِ أكثر، هو أن كل الذين لا تريدهم أن يروا الذي خطته يداك يرونه، بينما الذي كشفتَ عن شيفرتك بسببه وغامرت في البوح لأجله/ها هي/هو الوحيد الذي لا يقرأها.

وعن تبعات المُرسلات، فمثلما نجد في مكتوبات الآخرين ما يُضاعف من مشاعر الحسرة لدينا بعد إخفاقنا في الإبلاغ، وما قد يزيد من حرقتنا عقب فشل مساعينا في إيصال ما كنا نراه ضروريًا، فثمة كتابات تساعدنا على النهوض بعد الصدمة النفسية التي مُنينا بها، وتعمل تلك الكتابات على تخفيض منسوب الغم لدينا، بل وتلهمنا تلك الكلمات الصبرَ وتغدو العزاء الذي حلَّ مكان الكآبة التي كانت حتى قبيل القراءة مخيّمة علينا، ومنه على سبيل الذكر ما يقوله فرناندو بيسوا بخصوص الرسائل الموجهة: "كل الرسائل التي يكتبها الإنسان يجب أن تكون موجهة إلى نفسه".

عمومًا، فبخلاف المكاتيب التي يتقطر الحنين من كلماتها، وتكاد المفردة تنفجر من فيض تحميلها بالأشواق الحارة، ففي بعض الرسائل نتعثر بالمصدات ومبررات الانقطاع وأسباب الجفاء، حيث عُلقت أمامنا يافطات الأنَفَة والإحجام، إذ في الرسالة الأولى من رسائل الشتات للكاتبة الفلسطينية بيسان عدوان يعثر القارئ على ما يناهض توقعاته المتعلقة بالغرض من الرسالة الموجهة من قِبلهِ والأثر الذي ستتركه، إذ بدلاً من التودُّد أو عبارات الرجاء سيقرأ: "إذا استعصى عليكَ قلبٌ كُف عن وصاله، وإذا تغيّر عليك أحدٌ امنحه نسيانًا كأنه لم يكن".

وصحيحٌ أن لرسائل الحبِ وقعها المميز حتى بعد انشطار طرفي العلاقة وانهدام كل الجسور بينهما، ولكن بعيدًا عن القلوب الحمراء التي تزيّن دفاتر المراهقين والمراهقات، وبعيدًا عن كل أجواء الرومانسية وشؤون العواطف الشخصية، وإنما قريبًا من فضاء العلاقات الاجتماعية، وخاصةً في إطار الأقارب والمحيطِ والمعارف، يبوحُ قريني وفي منطوقه كمية لا بأس بها من قطرات الأسى حين يشير إلى أنه خلال ارتشافه من معين الماوردي (أدب الدنيا والدين) طوال شهر رمضان الفائت، استوقفته العبارات الواردة أدناه لبعض البُلغاء والحكماء والشعراء، منها قولهم:

ـ من ودَّك لشيء تولّى مع انقضائه.

وكذلك قول أحدهم:

ـ من عظّمكَ لإكثارك استقلَّك عند إقلالك.

ـ أراهم إذا أيسرْتَ لزموك، وإذا أعسرتَ تركوك.

وكذلك الأمر ما قاله حسان بن ثابت:

"أخلاءُ الرخاء هم كثيرٌ - ولكن في البلاء هم قليل

فلا يغرُرك خُلّةُ من تُؤاخي - فما لك عند نائبةٍ خليلُ

وكل أخٍ يقولُ أنا وفيّ - ولكن ليس يفعل ما يقول".

وبعد التمعن في أبعاد الأقوال السالفة الذكر، فمن فيض الحماسِ أزحتُ من المشهدِ قريني وقلتُ بيني وبين نفسي ليتني استطعتُ أن أُلصق مرامي الجُمل المذكورة أعلاه في تلافيف المحافظين على سجاياهم، وبالأخصِ قحفِ ودودٍ بيننا الآن مئات الكيلومترات، فتصلُ المعاني إلى مستقبلات مواطنٍ طيِّبٍ جوادٍ جسور ولكن من فيض سماحته لا قدرة له على التمييز بين غليلٍ وخليل، وحيال الرسالة التي وددتُ توجيهها يومًا وما زلتُ متشوقًا لإرسالها، أراني قيد التصور بأن يقرأ أو يُشاهد الكلام المرسل إليه هاهنا معظم الذين أنبّه فلان الفلاني منهم، بينما المعنيُّ بالرسالة نفسها فلا أتوقع أن تصل الكلمات إليه أو أن تقع عيناه عليها.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في ثقافات