تطفو على ذاكرة الكويت، في ظل العدوان المستمر على أراضيها وسيادتها، وسيادة دول مجلس التعاون الخليجي، صور محدودة لكنها عميقة الأثر.
بعض هذه الصور مؤلم بقدر ما هو وطني يبعث على الاعتزاز والفخر، وبعضها الآخر يعيد فتح صفحات حزينة وجروح مؤلمة ومظاهر بائسة من الذاكرة.
المؤلم من تلك الصور يعود إلى عمليات اغتيال غادرة، فيما تثير صور أخرى تساؤلات مشروعة عن الإرهابي عماد مغنية، ومشهد حفلات التأبين التي شهدتها الكويت في وقت سابق.
لقد أثار تأبين عماد مغنية في الكويت، قبل سنوات، جدلًا واسعًا سياسيًا، واجتماعيًا، وطائفيًا، وقانونيًا. كان المشهد المتشح بالسواد يقطر بكلمات التأبين من بعض نواب الطائفة الشيعية لشخصية ارتبط اسمها بملفات دامية من الإرهاب.
ومع ذلك، فإننا في هذا الزمن لا نزغرد، ولا نشمت، ولا نهلل، ولا نبحث عن مبرر لتوجيه اللوم أو العتب إلى إخوتنا من الطائفة الشيعية في الكويت.
ففي الكويت لا نشكك في الولاء، ولا نصدر صكوك الوطنية والانتماء. ليس لأننا سنة أو شيعة، بل لأننا جميعًا كويتيون، والولاء للكويت ليس محل مساومة أو تشكيك أو اصطياد في مياه عكرة.
لقد أظهرت تلك المناسبة صورًا لمجاميع كويتية اجتمعت في تأبين عماد مغنية، كما أظهرت صورًا أخرى غاضبة من الحدث ومن المشاركة الكويتية فيه، لا لكون المشاركين من طائفة معينة، بل لأنهم مواطنون جمعهم الوطن، الكويت، لا الطائفة ولا العرق ولا الأصل.
وبين هذه وتلك، برزت صورة لأغلبية وطنية صامتة، غير مرئية، لم تنل حقها من النقاش والمراجعة. ولهذا يبقى هذا الملف مفتوحًا وقابلًا للمراجعة، لا بهدف توجيه الاتهام، بل للاستفادة من التأمل والمراجعة واستخلاص الدروس.
إننا في الكويت، شعبًا وحكومة، نتحمل جزءًا من مسؤولية الفوضى السياسية التي سادت في أزمنة مختلفة، حين رجح البعض الصدام والاحتقان والطائفية على الحكمة والتأني. فالتوتر لا يقود إلى حلول ناجعة ولا إلى عدالة مستدامة.
لقد اختُطفت الديموقراطية في مراحل متعددة، كما اختُطف مجلس الأمة من بعض نوابه، حين تسللت الطائفية والقبلية والفئوية والمناطقية إلى جسد المجتمع الكويتي، فمزقت شيئًا من نسيجه وأضعفت القرار الحكومي، وأوجدت محاصصة اجتماعية فرعية أضرت بالمصلحة الوطنية.
ونادرًا ما صدرت مبادرات حكومية جادة تستثمر الأزمات السياسية أو النزاعات العسكرية أو الصدمات الاجتماعية في مراجعات عميقة لتحليل المعلومات وكواليس الصراعات والنزعات التي تستهدف ضرب الوحدة الوطنية.
ليس المطلوب محاكمة الرأي العام، ولا تقويض الحريات، ولا إطلاق أحكام التخوين، بل المطلوب تحليل المعلومات وقياس اتجاهات الرأي العام ورصدها بدقة للخروج بصورة أوضح عن الدروس المستفادة من الأزمات والصدمات الاجتماعية والسياسية التي مرت بها الكويت.
إن تأبين عماد مغنية محطة لا ينبغي طيها أو التهاون مع دلالاتها السياسية والاجتماعية والدينية، فالحدث وقع في الكويت وبمبادرة ومشاركة من مواطنين لهم حضور سياسي واجتماعي وديني.
واليوم، نحن أمام مرحلة جديدة تتطلب تطوير أدوات تحليل البيانات والمعلومات، والنظر إلى الماضي القريب والبعيد، وإلى المستقبل أيضًا.
ولكي نفهم ما حدث، وما قد يتكرر، لا بد من قراءة العلاقة بين نظام الولي الفقيه وسفارته في الكويت، في ضوء ما تعرضت له الدولة من عمليات إرهابية ومحاولات لإثارة الفتنة الطائفية.
إن محطة تأبين عماد مغنية تبقى واحدة من المحطات الحساسة التي لا ينبغي إهمالها، بل مراجعتها وتحليلها في ضوء العدوان الإيراني على الكويت والأشقاء في دول مجلس التعاون الخليجي.
ومع ذلك، فإننا لا نضمر العداء لإخوتنا من الطائفة الشيعية، ولا نشكك في الولاء والانتماء، ولا ننبش في قبور الماضي بقدر ما نسعى إلى فهم مخططات طهران وأساليبها في توظيف الطائفية والإرهاب عبر أدواتها السياسية والدينية في أكثر من مكان.

