: آخر تحديث

إيران بين وحدة الخريطة وتفكك الدولة

5
4
4

 

قد تبدو إيران على الخريطة دولة متماسكة، لكنها في الداخل تجمع قوميات ومذاهب وأقاليم متفاوتة في الثروة والاندماج. ومن هذه المفارقة يبدأ السؤال عن مستقبلها، فهو يتجاوز احتمال سقوط النظام إلى مصير الدولة إذا انكسر المركز الذي أمسك أطرافها طويلاً بالقوة والهوية والمصلحة. ولهذا يصبح السؤال الأهم أي وحدة يمكنها البقاء، وهل تظل الخريطة ثابتة إذا بدأت الدولة نفسها تتفكك من الداخل؟

ولا يمكن فصل هذا الاحتمال عن ذاكرة إمبراطورية راسخة في وعي الدولة الإيرانية. فمنذ أن أسقط الأخمينيون بابل وضموا الهلال الخصيب وبلغوا مصر، ترسخت صورة إيران باعتبارها مركزاً إقليمياً تتجاوز وظيفته حماية الهضبة إلى إخضاع محيطها. لقد تبدلت السلالات والعقائد، لكن هذه الجذوة عادت بأسماء مختلفة، من الساسانيين والصفويين إلى ما يسمى "الجمهورية الإسلامية"، ولم يبق كرسي كسرى عرشاً، لكنه بقي فكرة عن المكانة والمجال المفقود، تدفع المركز مرة بعد أخرى إلى مد نفوذه أبعد من قدرته على حمايته.

وتكشف التجربة الساسانية جوهر هذا المأزق، فقد أوصل كسرى الثاني نفوذ فارس إلى الشام ومصر، حتى بدا أن الإمبراطورية تستعيد مجالها القديم، لكن الاتساع نفسه فرض عليها جبهات تفوق قدرتها على الحماية. وحين استعاد الإمبراطور البيزنطي هرقل المبادرة، انقلب التقدم الساساني إلى تراجع واضطراب في المركز. ومع ذلك، بقيت فارس تملك قوة عسكرية وموارد وخبرة تفوق ما لدى الدولة الإسلامية الناشئة، لكنها عجزت عن تحويل تفوقها المادي إلى تفوق استراتيجي، وقد أنهى العرب المسلمون الإمبراطورية الساسانية، فيما بقيت محاولات استعادة صورتها القديمة تنتهي بأثمان مؤلمة تدفعها إيران من نفوذها ومواردها واستقرارها.

ولا تعني تلك النتيجة أن كل توسع إيراني جديد ينتهي حتماً بالهزيمة، لكنها تكشف قانوناً استراتيجياً متكرراً، فكلما تجاوز الطموح قدرة الدولة على تثبيت مكاسبه، تحول النفوذ إلى استنزاف، وأصبحت الأطراف الخارجية عبئاً على الداخل. وهذا ما أعادته الجمهورية الإسلامية في صيغة حديثة، حين اعتمدت شبكات الحلفاء والميليشيات لتوسيع حضورها من العراق وسوريا إلى لبنان واليمن، غير أن اختلاف الأدوات لم يلغ المأزق القديم، لأن النفوذ يحتاج إلى المال والحماية والشرعية، وهذه موارد تتناقص حين يطول الصراع ويشتد الضغط على الداخل.

غير أن كلفة هذا الامتداد لا تبقى خارج الحدود، إذ سرعان ما ترتد إلى الداخل وتكشف هشاشة العلاقة بين الدولة وأطرافها. وهنا تكتسب المسألة القومية وزنها، فإيران في واقعها دولة متعددة القوميات واللغات والمذاهب، وليست الكتلة الفارسية الصماء التي يوحي بها خطاب الدولة.

ومع غياب إحصاءات رسمية حاسمة عن نسب مكوناتها، تقول الجغرافيا ما لا تقوله الأرقام، إذ يتمركز الأذريون والأكراد والعرب والبلوش والتركمان في أقاليم حدودية، بعضها غني بالموارد وبعضها متصل بامتدادات قومية خارج البلاد. وتزداد حساسية هذه الخريطة في خوزستان التي تختزن جزءاً مهماً من الثروة النفطية، وفي سيستان وبلوشستان الممتدة إلى ساحل بحر عُمان وحدود مضطربة، وهذه ليست خريطة تقسيم جاهزة، لكنها قد تصبح خريطة اشتعال إذا فقدت الدولة قدرتها على الردع والتوزيع معاً.

غير أن التهميش لا يقود آلياً إلى الانفصال. فقد بنت الدولة الإيرانية هوية وطنية تجمع التاريخ الفارسي والمذهب الشيعي ومفهوم الدولة الحضارية، كما اندمجت نخب أذرية وغيرها في مؤسسات الحكم والاقتصاد والجيش. وزادت الهجرة الداخلية من اختلاط السكان في طهران وأصفهان ومشهد وسواها، بحيث يصعب رسم حدود قومية نظيفة من دون تهجير وصراع طويل. لذلك تبدو فكرة التقسيم سهلة على الورق، لكنها بالغة القسوة على الأرض، لأن الخط الفاصل سيمر بين المدن والعائلات والمصالح، لا بين مساحات خالية.

ومع أن الداخل هو نقطة البداية، فإن الجغرافيا الإيرانية لا تخص الإيرانيين وحدهم. فقد نظرت القوى الكبرى إلى إيران مراراً بوصفها مجالاً قابلاً لتوزيع النفوذ، وكان الاتفاق البريطاني الروسي عام 1907 المثال الأوضح، حين قسمت البلاد إلى منطقة نفوذ روسية في الشمال، وأخرى بريطانية في الجنوب الشرقي، ومنطقة محايدة بينهما، من دون تقسيمها رسمياً إلى دول. وتكمن أهمية الاتفاق اليوم في منطقه لا في حدوده القديمة، إذ يثبت أن بقاء الخريطة لا يمنع تفكيك السيادة، وأن الدولة قد تظل موحدة اسماً بينما تتوزع قدرتها الفعلية بين قوى الداخل والخارج.

وقد قدم العراق بعد 2003 نموذجاً قريباً من هذه المفارقة. فقد أُنهكت الدولة من دون أن تُقسّم رسمياً، وبقيت حدودها فيما توزعت سيادتها بين المؤسسات المحلية والقوى الخارجية، وأصبح الانقسام سياسياً وطائفياً أكثر منه جغرافياً. وهذا سيناريو لا تريد إيران استنساخه، كما لا يريد جيرانها وراثة فوضاه، لأن تفكك السلطة الإيرانية قد يحرك المسألة الكردية والبلوشية والأذرية خارج حدودها، ويفتح صراعاً على النفط والموانئ والممرات البحرية والمنشآت العسكرية.

لهذا تفضل قوى كثيرة إيران موحدة وضعيفة على إيران مقسمة وفوضوية. فالتقسيم قد يحد من قدرة المركز على التمدد، لكنه قد ينتج كيانات متنازعة وحدوداً ملتهبة وتدخلاً دولياً دائماً. أما إضعاف المشروع الخارجي مع الإبقاء على الدولة، فيبدو لبعض الفاعلين أكثر قابلية للإدارة. غير أن هذا الخيار يؤجل الأزمة ولا يحلها، لأن الأطراف التي دفعت ثمن مشروع لم تشارك في اختياره لن تقبل إلى ما لا نهاية أن تُعامل جغرافيتها كمورد للمركز لا كموطن لأهلها، وذلك شعور يتردد لدى كل إيراني في الأطراف يرى ثروة إقليمه تنفق على نفوذ بعيد، بينما تبقى حاجاته المحلية مؤجلة.

ومن هنا لا ينبغي حصر البدائل في ايران بين مركزية صارمة وتقسيم دموي، فصيغة الدولة الاتحادية، أو حتى الصيغة الكونفدرالية إذا بلغ ضعف الدولة مستوى متقدماً، قد تمنح الأقاليم سلطة أوسع على التعليم والثقافة والموارد والتنمية، مع ضمانات تحول دون إعادة إنتاج الهيمنة من طهران. وفي تقديري، يمثل الحكم اللامركزي الواسع البديل الأقل كلفة إذا أريد الحفاظ على الخريطة ووقف تراكم المظالم. أما أي صيغة تعيد إنتاج دولة مركزية ذات مشروع خارجي من دون هذه الضمانات، فلن تكون إلا هدنة بين أزمتين.

إيران اليوم أمام خيار يتجاوز مصير النظام إلى شكل الدولة، فإذا تخلت عن وهم الإمبراطورية ووزعت السلطة والثروة، فقد تحتفظ بخريطتها ضمن اتحاد أكثر عدلاً وأقل تهديداً. أما إذا أعاد النظام الايراني بناء قبضته واستأنف البحث عن مجاله الضائع، فقد تتكرر الدورة القديمة من الطمع والتوسع والاستنزاف والهزيمة، لكن بنتيجة أشد هذه المرة، فحين ترفض الدولة أن تصغر طموحها، قد يأتي التاريخ ليصغر خريطتها.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.