: آخر تحديث

ديمقراطية بلا وضوح.. حين تتحول السياسة إلى صفقات لا يراها الشعب

3
4
3

لم يعد السؤال في العراق من يحكم، بل كيف يُحكم، ولصالح من تُدار السلطة. ما يظهر على السطح من حراك سياسي متسارع لتشكيل الحكومة لا يعكس حيوية ديمقراطية بقدر ما يكشف عن خلل عميق في جوهر العملية السياسية، حيث تتشكل التحالفات بسرعة، وتتفكك بسرعة أكبر، دون معايير واضحة أو برامج مُعلنة يمكن للشعب أن يحاسب على أساسها. المشهد الحالي لا يقوم على تنافس سياسي طبيعي بين رؤى مختلفة، بل على تقاطعات مصالح مؤقتة أقرب إلى تفاهمات رمادية لا يُعرف من يقودها فعليًا ولا إلى أين تتجه، تحالفات تُبنى في الغرف المغلقة بخطاب مزدوج، شيء يُقال للإعلام وآخر يُدار خلف الكواليس، وهذا ما يجعل العملية السياسية تبدو وكأنها منفصلة عن إرادة الناخب لا تعبيرًا عنها. الأخطر من ذلك ليس فقط غموض التحالفات، بل غياب الهوية السياسية الواضحة للقوى المتنافسة. لم يعد بالإمكان تمييز مشروع سياسي متكامل من آخر، ولا فهم الخط الفاصل بين المعارضة والسلطة. الجميع يفاوض الجميع، والجميع مستعد لإعادة التموضع وفق موازين اللحظة لا وفق التزامات طويلة الأمد، وهذا يفرغ الديمقراطية من مضمونها ويحولها إلى مجرد آلية شكلية لإعادة إنتاج السلطة لا لتغييرها.

في الديمقراطيات الحقيقية، الغموض مرحلة قصيرة تسبق إعلان الاتفاقات، أما أن يتحول الغموض إلى قاعدة دائمة، فهذا يعني أن ما يجري ليس تداولًا شفافًا للسلطة، بل إدارة معقدة للمصالح. وحين لا يعرف المواطن من يتحالف مع من، ولماذا، وبأي ثمن، فإن الثقة العامة تبدأ بالتآكل، ويتحول الشعور العام من المشاركة إلى الاغتراب السياسي. وهنا تظهر المعضلة الأعمق التي لا يتم طرحها بصراحة، لماذا لا يُعاد النظر إلى المكوّن نفسه؟ إلى الشعب الذي صوّت؟ كيف اختار، ولماذا اختار، ومن الذي فوّض هذه النخب لتعيد تفسير صوته بهذه الطريقة؟

ما يحدث اليوم ليس فقط إعادة تشكيل للسلطة، بل إعادة تأويل لإرادة الناخب. فالقوى السياسية لا تتعامل مع أصوات جمهورها كأمانة ثابتة، بل ككتلة قابلة لإعادة التدوير داخل صفقات لا يعرف جمهورها تفاصيلها، وكأن التصويت كان خطوة أولى فقط تُسحب بعدها الإرادة الشعبية من يد صاحبها لتُدار في مسارات مغلقة.

السؤال الأكثر حساسية: هل هذا الجمهور راضٍ فعلًا؟ أم أنه يُدفع باسم التمثيل لقبول خيارات لم يُستشر فيها، ولم تُعرض عليه بوضوح، لا في حاضرها ولا في نتائجها المستقبلية؟ هنا يتحول التمثيل من تفويض إلى وصاية، ومن شراكة إلى احتكار للقرار. بل إن ما هو أخطر أن بعض هذه التفاهمات تُبنى وكأن مصلحة القوى السياسية منفصلة تمامًا عن مصلحة جمهورها. تُقدَّم التنازلات، وتُعقد التحالفات وفق حسابات بقاء ونفوذ، بينما يُطلب من الشارع أن يتكيّف لاحقًا مع نتائج لم يكن جزءًا من صناعتها، وهذا يعمّق الفجوة بين الحاكم والمجتمع ويخلق شعورًا متراكمًا بأن الإرادة الشعبية لم تعد هي المرجعية الحقيقية.

شعبٌ مرّ بتجارب قاسية، ورأى من الأزمات ما يكفي ليفهم معنى الظلم السياسي، لم يعد من السهل إقناعه بأن ما يجري يُعبّر عنه، بينما هو لا يرى نفسه في هذه المعادلات. فحين يغيب الوضوح، وتغيب المحاسبة، وتُفرض الوقائع كأمر واقع، فإن السؤال عن شرعية العملية برمتها يصبح مشروعًا، بل وضروريًا. ومن زاوية أعمق تتجاوز اللحظة الراهنة إلى منطق التاريخ نفسه، الأنظمة السياسية لا تُقيَّم فقط بنتائجها الآنية، بل بقدرتها على بناء شرعية مستدامة، وأي سلطة تُبنى على تغليب مصلحة ضيقة على حساب مصلحة المجتمع قد تنجح تكتيكيًا في تثبيت نفسها، لكنها تفشل استراتيجيًا في البقاء. فالتاريخ في جوهره ليس سجلًا للأحداث فقط، بل آلية فرز طويلة الأمد بين ما هو قابل للاستمرار وما هو زائل. حين تتراكم القرارات التي لا تعبّر عن المزاج العام ولا تُصاغ بشفافية، فإنها تخلق فجوة زمنية بين السلطة والمجتمع. هذه الفجوة قد لا تظهر فورًا، لكنها تتحول مع الوقت إلى عامل تآكل داخلي يُعيد تعريف الشرعية خارج الأطر الرسمية. عندها لا يعود الحكم قائمًا على القبول، بل على إدارة التوازنات، وهي حالة بطبيعتها مؤقتة.

وفي المقابل، التجارب التي ترتكز على قدر من الصدق السياسي، وعلى تمثيل أقرب لإرادة الناس، تمتلك قابلية أعلى للاستمرار، ليس لأنها مثالية، بل لأنها تبني ما يمكن تسميته رأسمال الثقة، وهو العامل الوحيد الذي يمنح أي نظام قدرة على الصمود عند الأزمات. بهذا المعنى، ما يُبنى اليوم على تفاهمات غامضة قد يحقق استقرارًا مؤقتًا، لكنه يظل هشًا أمام اختبار الزمن. أما ما يرتكز على وضوح في العلاقة بين الحاكم والمحكوم، وعلى توازن حقيقي بين المصلحة السياسية والمصلحة العامة، فهو وحده ما يملك فرصة التحول إلى تجربة راسخة. الفارق هنا ليس أخلاقيًا بقدر ما هو بنيوي، ما ينسجم مع المجتمع يبقى، وما ينفصل عنه يتحول تدريجيًا إلى عبء على نفسه. وهنا يمكن فهم لماذا تتحول بعض اللحظات السياسية، بالرغم من صخبها، إلى مجرد غبار في مسار أطول، لأنها لم تُبنَ على أسس قابلة للاستمرار، بينما تبقى التجارب التي ارتبطت بحماية المجتمع وبناء الثقة حاضرة كمرجع، لا لأنها خالية من الأخطاء، بل لأنها امتلكت ما يكفي من العمق لتتجاوز الزمن.

هنا يصبح السؤال مشروعًا: هل ما يجري ديمقراطية فعلًا؟ أم أن الديمقراطية تُستخدم كغطاء لإضفاء الشرعية على تفاهمات لا تمر عبر صندوق الاقتراع بقدر ما تمر عبر ميزان القوة؟ فالشعب حين صوّت لم يصوّت لتحالفات غامضة ولا لاتفاقات مؤجلة التفسير، بل صوّت نظريًا لمشاريع واتجاهات، لكن ما يحدث هو إعادة تركيب النتائج بما لا يعكس تلك الاختيارات بشكل واضح. هذا النوع من الديمقراطية غير المكتملة يفتح الباب أمام مسارين خطيرين، إما ترسيخ نموذج سياسي قائم على الغموض الدائم حيث تصبح الضبابية أداة حكم، أو انفجار سياسي لاحق حين تصطدم هذه التفاهمات المؤقتة بواقع لا يمكن السيطرة عليه. المشكلة ليست في وجود تفاوض، فالتفاوض جزء طبيعي من أي نظام سياسي، بل في غياب الشفافية والمعايير. فحين تكون الاتفاقات غير واضحة، والمؤقت يتحول إلى دائم، والضرورات السياسية تُبرر كل شيء، فإن الخط الفاصل بين الديمقراطية والفوضى السياسية يصبح رفيعًا للغاية.

في النهاية، ما يجري اليوم لا يمكن قراءته كأزمة تشكيل حكومة فقط، بل كاختبار حقيقي: هل النظام السياسي قادر على التحول إلى ديمقراطية واضحة المعالم، أم أنه سيبقى عالقًا في منطقة رمادية حيث تُصنع القرارات بعيدًا عن أعين من يُفترض أنهم مصدرها؟

والسؤال الذي سيبقى مفتوحًا: إذا كان الشعب لا يعرف كيف تُبنى السلطة، فهل يمكنه حقًا أن يحاسبها؟


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.