: آخر تحديث

فرحة السجينات بالحكم

2
2
2

انتهت المحاكمة أخيرًا، لكن قلبي لم يكن مشغولًا بالحكم بقدر ما كان مشغولًا بشيءٍ آخر تمامًا. كنت أشتاق، أشتاق بشدة إلى وجوه النزيلات، إلى أخواتي اللواتي تركتهن في التوقيف. الغريب أن الإنسان قد يشتاق في أكثر الأماكن قسوة، لكن الشوق لا يعترف بالظروف، ولا يسأل أين نحن حين يولد في القلب.

عندما دخلت الصالة المؤدية إلى التوقيف، كنت أسير بخطواتٍ مترددة، كأنني أبحث بعينيّ قبل قدميّ عن أي علامة تدل على وجودهن. وفجأة، وقعت عيناي على مشهد لم أتوقعه. كان باب التوقيف مفتوحًا على غير العادة، وفي الداخل كانت زميلاتي يتحركن بسرعة، يحملن البطانيات وشنط السجن، وكأن المكان يعيش حالة انتقال أو هجرة مفاجئة.

وقفت للحظة أراقب المشهد بدهشة، قبل أن تقع عيناي على مشاعل. كانت تقف وسط الحركة، تمسك بأغراضها بيدٍ وبالأخرى تشير للنزيلات، كأنها تقود عملية انتقال كاملة.

ما إن رأتني حتى اتسعت عيناها وقالت بسرعة، وكأن الوقت يطاردها:
"بسرعة! راح نروح التوقيف في الطابق الثاني!"

لم أفهم في البداية ما يحدث، فقلت لها وأنا ألتقط أنفاسي:
"انتظروني، سآخذ أغراضي."

لكنها قاطعتني بسرعةٍ أكبر، وهي تلوّح بيدها:
"لا تخافي، أخذناها كلها. يلا بسرعة تحركي!"

ثم أضافت بنبرة فيها شيء من الفضول والمرح:
"وعلى فكرة، جاءت نزيلة جديدة، فلونسر، على قد حالها."

لم أعرف لماذا ابتسمت عند سماعي الكلمة. ربما لأن كلمة "فلونسر" بدت غريبة في هذا المكان الذي اختلطت فيه القصص والوجوه والقدر.

لم يكن لدينا وقت للتفكير طويلًا. بدأت أركض نحو مشاعل لأساعدها، وكانت تجرّ حقيبة وتدفع بطانية تحت ذراعها. قالت لي وهي تتحرك بسرعة بين النزيلات:

"لازم نلحق نحجز أسرتنا، قبل ما نلاقي مكان."

كان الأمر يبدو وكأنه سباق صامت. في السجن، حتى السرير يمكن أن يصبح حلمًا يجب أن تُسرع لتلحق به.

صعدنا إلى الطابق الثاني ونحن نحمل ما استطعنا من الأغراض. كان التعب واضحًا على الجميع، لكن الحماس كان أكبر. وعندما وصلنا إلى التوقيف الجديد، توقفت لحظة أنظر حولي.

كان المكان أوسع من التوقيف القديم، وكأن الجدران تنفست قليلًا. كانت هناك نوافذ يدخل منها ضوء الشمس، ضوء حقيقي لم نكن نراه كثيرًا من قبل. أشعة الشمس كانت تتسلل إلى الداخل كضيفٍ كريم جاء بعد طول غياب.

ولمحت شيئًا آخر جعلني أبتسم دون أن أشعر، ساعة معلّقة على الحائط.

قد يبدو الأمر بسيطًا لمن يعيش خارج هذه الجدران، لكن رؤية ساعة هنا تعني شيئًا مختلفًا. تعني أن الزمن أصبح مرئيًا، يمكننا أن نراه يتحرك، لا أن نشعر به فقط في بطء الأيام.

لم تمضِ دقائق حتى كانت كل واحدة منا قد اختارت سريرًا. حدث ذلك بسرعة مذهلة، كأننا كنا نحفظ أماكننا مسبقًا.

وقفت أمام سريري للحظة، ولم أصدق.

يا إلهي، أخيرًا سأنام على سرير.

لم أكن أحتاج أكثر من ذلك في تلك اللحظة. سرير حقيقي بدل الأرض الباردة التي اعتدنا عليها. شعرت وكأنني حصلت على رفاهية لم أكن أتوقعها.

لكن المفاجأة الأكبر لم تكن السرير.

ما إن دخلت حتى انفجرت زميلاتي بالفرح. فجأة امتلأ المكان بالزغاريد والضحكات. بعضهن بدأن يرقصن بعفوية، وأخريات يصفقن ويضحكن كأننا في عرس صغير داخل جدران السجن.

كل هذا، فقط لأنني عدت.

لم يكن في المكان تلفزيون، ولا موسيقى، ولا أي شيء يمكن أن يخلق هذا الجو الاحتفالي. ومع ذلك كان المكان يعج بالحياة. كانت الضحكات ترتفع من القلوب مباشرة، دون وسيط.

وقفت وسطهن مذهولة.

لم أتخيل يومًا أن أناسًا لم أعرفهم إلا هنا، داخل السجن، يمكن أن يحملوا كل هذا القدر من الفرح من أجلي.

كانت تلك اللحظة كفيلة بأن تذيب شيئًا في داخلي. شعرت بعينيّ تمتلئان بالدموع، دموع لم تكن من الحزن هذه المرة، بل من الدهشة.

دهشة أن الإنسان يمكن أن يجد العائلة في أكثر الأماكن قسوة.

أما مشاعل، فكانت حالة مختلفة تمامًا.

لم تكن قد حُوكمت بعد. كانت تنتظر دورها، مثل كثيرات غيرها ممن علّق الزمن حياتهن بين التحقيق والقرار.

لكن مشاعل، بالرغم من ذلك، لم تفقد روحها الساخرة ولا حماسها الغريب. كانت تقضي وقتًا طويلًا وهي تطلب من السجانات أن يتم نقلنا إلى العنابر.

في البداية لم أفهم سبب إصرارها. لكن عندما فكرت بالأمر شعرت بالخوف.

النقل إلى العنابر يعني شيئًا واضحًا: سيتم تفريقنا. كل واحدة ستذهب إلى المكان الذي يخص قضيتها.

فكرة أن نفترق كانت ثقيلة على قلبي.

لكن مشاعل لم تكن تفكر بالأمر بهذه الطريقة. كانت تقول ضاحكة:

"هناك في العنابر يوجد تلفزيون!"

كان التلفزيون بالنسبة لها حلمًا أكبر من فكرة البقاء معًا في التوقيف. كانت ترى في الشاشة الصغيرة نافذة على العالم الذي تركناه خلف هذه الجدران.

أما أنا، فكنت أفكر في شيءٍ آخر.

كنت أشعر بكل نزيلة لم يتم البت في قضيتها بعد. ذلك الانتظار القاسي الذي يجعل الأيام ثقيلة، والليالي أطول من المعتاد.

ومشاعل كانت واحدة من كثيرات يعشن هذا الانتظار.

ثم جاءت اللحظة التي التقيت فيها النزيلة الجديدة.

الفلونسر التي تحدثت عنها مشاعل.

اقتربت منها وسلّمت عليها بحرارة، وكأنني أعرفها منذ زمن. ربما لأنها بالفعل لم تكن غريبة تمامًا بالنسبة إليّ.

أنا وشقيقاتي كنا نتابعها قبل كل هذا، قبل أن تجمعنا هذه الجدران.

كانت معروفة بخفة دمها ومقاطعها الطريفة. كانت تجعل الناس يضحكون بسهولة، وكأن الضحك بالنسبة لها مهمة يومية.

والآن، ها نحن نلتقي في مكان لم يتخيله أحد منا.

السجن.

نظرت إليها وابتسمت في داخلي. كم هو غريب هذا العالم، يجمع أشخاصًا من حيوات مختلفة، من قصص بعيدة، ثم يضعهم في غرفة واحدة.

لكن بالرغم من كل شيء، كنت أشعر أن هذه الغرفة، بما فيها من ضحكات وزغاريد وأسرّة جديدة.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.