محمد سليمان العنقري
أثار توجه جديد لجامعة الملك سعود بإيقاف القبول بتخصصات شملت اقسام بالعلوم الانسانية وكذلك اللغات وعلوم الاغذية والزراعة مع اطلاق إستراتيجية جديدة تركز على تخصصات علمية وهو توجه صحيح وموفق، ومن المعروف أن الجامعة تحولت إلى مؤسسة أكاديمية مستقلة غير هادفة للربح ، وأصبحت تعمل تحت مظلة الهيئة الملكية لمدينة الرياض بناءً على أمر سامي صدر عام 2022. حيث تهدف هذه النقلة إلى تعزيز استقلاليتها المالية والإدارية، وتشكيل مجلس إدارة جديد للجامعة بإشراف مباشر من الهيئة على خططها واستراتيجيتها وكل ما يتعلق بأعمالها .
ولعل أفضل ماقامت به الجامعة أنها لم تستطلع رأي العاطفيين بأرائهم و التي نقدت قرار الجامعة بألغاء برامج التخصصات التي اعلن عنها وايقاف القبول لأخرى حيث ركز الناقدون على ان دور الجامعة اكبر من الاهتمام بسوق العمل والذي اوضحته الجامعة ببيان لها انها تركز على تخصصات تتناسب مع إحتياجات سوق العمل وتواكب التخصصات المستقبلية محلياً وعالمياً وهنا لابد من التوقف عند هذه النقاط المهمة جداً فلا أحد في هذا العالم يكمل تعليمه الجامعي او المهني لأجل المعرفة فقط بل لكي يجد فرصة عمل يبني فيه مستقبل آمن له ولأسرته فالمعرفة موجودة في الجامعة والمكتبة وعلى الشبكة العنكبوتية، ولو طرح سؤال علي الناقدين للقرار: ماهي التخصصات التي تنصح بها أبناءك او إخوانك لكان اختيار أغلبهم التخصصات التي يطلبها سوق العمل فالمثقف لابد ان ينظر للمستقبل ليساهم بتقديم ما يعزز قوة الاقتصاد والمجتمع في النظام العالمي الجديد القائم على الاقتصاد حصرياً فكل من كتب ناقداً لهذا القرار استخدم جهازاً ذكياً ابتكره مختصون بالهندسة والرياضيات والفيزياء والكيمياء وقام بتصنيعه وتجميعه مهنيين ولم يشارك بأي مرحلة منه مختص بمجال نظري «تقليدي» والمقصود بأن الاستعانة بأي تخصص نظري هو من كليات تميزت بخريجين نخبة وعددهم قليل جداً لان التخصصات بالعلوم الانسانية وعلم الاجتماع يفترض ان تكون نخبوية جداً تقتصر على عدد قليل يخرج باحثين ومفكرين للمجتمعات وليس زيادة تكديس للعاطلين من الجامعيين فكفاءة الانفاق على رأس المال البشري تمثل احد اعمدة وركائز تحقيق الاهداف التنموية فالمملكة يبلغ متوسط ما تعتمده للتعليم سنوياً مابين 20 الى 25 بالمائة من الميزانية العامة للدولة سنوياً حيث يوجد اكثر من 37 الف مدرسة وحوالي 74 جامعة وكلية منها 29 جامعة حكومية تنتشر بكافة المناطق ويبلغ عدد الطلاب الجامعيين مع الدبلوم والدراسات العليا حوالي 1،7 مليون ويتخرج سنوياً اكثر من 230 الف جميعهم يدخلوا ضمن الباحثين عن فرص عمل مما يشكل تحدياً تنموياً كبيراً ولذلك جاءت رؤية 2030 لتطلق طاقات وامكانيات المملكة بمختلف القطاعات مما ساهم بخفض البطالة لقرابة 7 بالمائة بأقل من عشرة اعوام نزولاً من حوالي 12 بالمائة.
لكن ماغاب عن نظر من نقد القرار أن التوجه نحو تركيز اكبر واعرق جامعات المملكة بامكانياتها الكبيرة لتخصصات المستقبل هو داعم كبير لنمو الاقتصاد واستدامة نشاط القطاعات فيه فهل يعلمون بأن نسبة الممارسين الصحيين السعوديبن لا تتعدى 42 بالمائة وان نسبة الاطباء السعوديين هي عند هذه النسبة ايضاً وان عدد الخريجين من كليات الطب حوالي 4000 سنوياً مما يعني اننا لن نصل لتغطية هذا الانكشاف المهني الا بعد سنوات طويلة فبحساب بسيط هناك 1،7طبيب سعودي لكل الف نسمة ومع الاطباء الوافدين تصل النسبة الى 4 لكل الف تقريبا بينما تصل في كوبا 6 أطباء لكل الف، وذات الرقم في اوروبا وهو ما يعزز تقديم خدمة صحية افضل لكن المقلق هو ان هذه المهنة مطلوبة دولياً، لذلك لابد من رفع النسبة بشكل كبير جدا بسنوات قليلة لا تزيد عن عشرة لتتجاوز 70 بالمائة للاطباء ولكل الممارسين الصحيين إغلاقاً لهذا الانكشاف المهني الحساس.
أما في تخصص الهندسة فعدد المرخصين من الهيئة السعوية للمهندسين فيبلغ للمهندسين والفنيين 460 الفا وعدد السعوديين 142 الف اي حوالي 31 بالمائة فقط وهو مؤشر سلبي، لأن المملكة دولة اقتصادها ضخم ولديها احتياج بشري للقاعدة الصناعية وكذلك بقطاع الانشاءات و التقنية والخدمات والصيانة والتشغيل كبير جداً مما يعني أننا بحاجة ماسة لزيادة أعداد المهندسين والفنيين السعوديين وذات الاأمر ينطبق في تخصصات الرياضيات والفيزياء والكيمياء وتخصصات العلوم قديمها وحديثها. إن انتقال الاقتصاد السعودي لرفع نسب الانتاجية بمختلف القطاعات وكذلك المحتوى المحلي الذي منه رأس المال البشري ودخول عصر الذكاء الاسطناعي بكافة الاعمال لا يمكن أن يتم دون تأهيل كوادر بشرية بأعداد ضخمة للسنوات العشرين القادمة حتى يتم إنجاح مبادرة مصانع المستقبل القائمة على الاتمتة والذكاء الاصطناعي، وكذلك الاستثمارات الجديدة بمراكز البيانات التي تستهدف المملكة مركزاً متقدماً جداً عالمياً فيها وتقودها شركة هيوماين المملوكة لصندوق الاستثمارات العامة، إضافة لشركات البيئة والصناعات الدوائية والأجهزة الطبية والسيارات وكذلك الطاقة المتجددة والنظيفة.
فالغريب هو ان الناقدين انفسهم كان اغلبهم يعتبرون سبب بطالة الجامعيين هي بزيادة القبول بالتخصصات النظرية فثلاثة تخصصات نظرية تستحوذ على نسبة 50 بالمائة من خريجي الجامعات وهو رقم كبير جداً بل ان بعض الاعلاميين الذين يميلون للنقد الشعبوي كانوا يرددون بمناسبات عدة ببرامج قدموها او شاركوا فيها او مقالات نشروها انه « ليس ضرورياً ان تدرس الجامعات كل التخصصات» فما الذي يجعل كل هؤلاء يناقضون حديثهم السابق، ثم من قال إن مسؤولية حفظ التاريخ ونشر قواعد اللغة العربية وتأصيل تعليمها تختص به جامعة واحدة وهي فقط من تسأل عن ذلك فهناك عشرات الجامعات الحكومية والخاصة تدرس هذه التخصصات، ولعل تقليص القبول فيها والتركيز على جودة المخرجات لنخب بهذه المجالات ليعملوا بمراكز بحث وفكر أفضل واكثر منفعة للمجتمع وثقافته وحفظ تراثه كما أن تأسيس ونشر معارفها اللغة العربية يبدأ من التعليم العام .
أخيراً المملكة تستثمر برأس المال البشري من ثروة ناضبة لتخلق ثروة مستدامة بعقول نيرة تدير القطاعات الحديثة والتقنيات المتقدمة التي ستلعب دوراً بارزاً في نهضة اقتصاد المملكة ليكون بمصافي اكبر الاقتصادات العالمية، فالفرصة الحالية تعد ذهبية لهذا التحول الاقتصادي الهام جداً والذي تتكامل فيه توجهات الاستثمار وتفعيل كافة القطاعات مع تأهيل لرأس المال البشري الوطني ليقود هذه التنمية بالميدان، فالنظر لسوق العمل وربط مخرجات التعليم به مسألة حيوية أساسية لاقتصاد المملكة الناشئ، وهذا يتطلب تحولا جذريا بعدد المقبولين بتخصصات المستقبل، فمن كان يقارن القبول المحدود لدينا بالتخصصات العلمية مع كوريا الجنوبية واليابان الأعلى قبولا عالمياً بالتخصصات العلمية بنسب تصل الى 40 بالمائة سنويا بالرياضيات والفيزياء والكيمياء والهندسات حصراً وليس بباقي التخصصات الطبية والعلمية الاأخرى هم أغلبهم من انتقد إيقاف الجامعة لبرامج تخصصات لا يحتاجها سوق العمل وهناك تشبع بها.

