: آخر تحديث

"ما كنت معاهم بالغرفة"!

5
5
5

أعجبني رد ذكي لإعلامي أمريكي كان ضيف على قناة الجزيرة، عندما بادره المذيع بسؤال مباشر بعد نهاية الجولة الأولى من المفاوضات الأمريكية الإيرانية في باكستان: ماذا قرأت من هذه الجولة؟ الإجابة جاءت مختصرة، لكنها لافتة: "ما كنت معهم بالغرفة لأعرف نتائج اجتماعهم"، جملة ممكن تكون عادية بالبداية، لكنها في الحقيقة تحمل معنى أعمق، وهي جملة مشهورة أدبياً ومقتبسة بشكل أو بآخر من المسرحية السياسية الشهيرة "هاملتون"..!!، وهذا الرد يلخص جانباً مهماً مما حدث إعلامياً خلال الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، بما يتعلق بالتحليل السياسي على القنوات الفضائية، حيث لاحظت أنه للأسف وفي أحيان كثيرة اندفع المحللون لبناء تصورات غير واقعية، وبعضها اعتمد على تسريبات، أو مصادر غير معلنة.

لذلك الحديث عن دور الفضائيات، والإعلام المرئي تحديداً إبان هذه الأزمة المستمرة، يتيح لنا أن نتناول وبصورة سريعة المقارنة بين قناتي الجزيرة والعربية وتغطياتهما منذ بداية الحرب حتى وقتنا الحاضر، فالجزيرة كانت حاضرة ميدانياً، مع نقل مباشر ومتواصل من طهران، جنوب لبنان، وإسرائيل، هذا الحضور يمنح القناة أفضلية في القرب من الحدث، لكنه في الوقت نفسه تحوّل إلى مشهد متكرر، بذات الزاوية البصرية تقريباً، اللقطة نفسها تتكرر، والصورة ذاتها تُعاد، ما خلق نوعاً من الرتابة لدى المشاهد، لأن التنويع كان متوقعاً، سواء في عمق التقارير أو في تغيير زوايا التناول ولكن لم يحدث.

كما لوحظ تكرار عدد من المحللين أنفسهم في أكثر من برنامج، وهو ما انعكس على المحتوى، حيث بدت بعض المداخلات امتداداً لما قيل سابقاً، دون إضافة واضحة، ومع هذا التكرار، (برز اتجاه في الطرح يميل إلى إبراز الرواية الإيرانية بشكل أوضح، سواء عبر طبيعة الأسئلة أو اختيار الضيوف، وهو ما يعطي انطباعاً بوجود ميل في زاوية التغطية، وعدم الحيادية بصورة واضحة وملموسة).

في المقابل، العربية اتجهت إلى بناء مختلف في المضمون، حيث التركيز كان منصباً على تداعيات الحدث على المنطقة، خصوصاً دول الخليج وهذا الطبيعي، مع التركيز الواضح على الجانب الأمني والاقتصادي، وهذا الطرح هو الأقرب لاهتمام المشاهد، وأكثر ارتباطاً بواقعه، كما أن تنويع الضيوف منح النقاش مساحة أوسع، مقارنة بالتكرار الملحوظ في قنوات أخرى، لكن في بعض البرامج الحوارية، ارتفع مستوى الجدل بين الضيوف بشكل لافت، ووصل أحياناً إلى حد خروج الحوار عن إطاره المهني، مشهد ارتفاع الأصوات، خصوصاً في إحدى الحلقات التي جمعت ضيفين من الكويت والعراق، أعاد إلى الذاكرة نمط برامج الصدام المباشر، وهو ما لا يتسق مع السياسة الهادئة التي عُرفت بها القناة.

مع تكرار ونحن نتحدث عن القنوات العربية انه لا يمكن تجاهل أن جزءاً من الإعلام العربي لا يزال يعتمد على ما يُبث في القنوات الأمريكية والأوروبية، ثم يُعاد تقديمه بصياغة محلية، هذا الأسلوب لا يُعد مشكلة بحد ذاته، لكنه يطرح سؤالاً حول القدرة على إنتاج رواية مستقلة، تنطلق من فهم محلي، لا من إعادة نقل خارجي وهذا الأمر تناولته بمقالاتي السابقة، والطريف أن الأزمات السياسية والحروب خصوصاً تمثل فرصة ذهبية للقنوات الإخبارية وتجدد نشاطها بعد البيات الشتوي الذي تعيشه في أوقات كبيرة، لأن الأزمات فرصة ترتفع فيها نسب المشاهدة، ويبرز فيها المذيع، وتزداد فيها قيمة الوقت الإعلاني، مع تقديرات تشير إلى نمو الإنفاق الإعلاني خلال مثل هذه الفترات بنسب تتراوح بين 20 % و40 %.

الدرس الإعلامي من جملة ضيف الجزيرة لم يكن مجرد رد على سؤال، بل إن المحلل السياسي ليس مجبوراً أن يتحدث بما لا يعلم، ولابد له من احترام المشاهد، وهذا نفتقده كثيراً عند بعض المحللين الفضائيين العرب الذي يؤلفون القصص، وبعضهم قد يكون نقطة تمرير لرسائل استخباراتية بعيداً عن المصداقية الإعلامية، لذلك وبصورة عامة ولكي نكون صادقين دائماً، "أنصحك" إذا لم تعرف إجابة أو وجدت صعوبة في تفسير أو تحليل أي مشكلة تواجهك، رد فقط بجملة "ما كنت معاهم بالغرفة"!.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد