تداول مستخدمون لمواقع التواصل الاجتماعي، منذ أسبوع، مقطعًا مصوّرًا يظهر مقاتلًا ضمن التشكيلات المسلحة التابعة للجيش السوري، وهو يرمي جثة مقاتلة من شرفة مرتفعة في أحد المباني في حيّ الأشرفية، وسط هتافات وصيحات تكبير (الله أكبر)، والتي تذكّرنا تلك الصيحات بغزوات داعش الإرهابي وشبيحة الأسد المخلوع.
وحسب الإعلام المحلي، فإنّ الجثة تعود لمقاتلة تابعة لقوى الأمن الكوردي (الآسايش)، وهي تقاتل في حيّ الشيخ مقصود ذو الغالبية الكوردية بمدينة حلب، واسمها (دنيز عفريني). قاتلت حتّى انتهاء ذخيرتها، وخوفًا من وقوعها في الأسر أطلقت الطلقة الأخيرة من سلاحها على رأسها وأنهت حياتها. ومن الجدير بالإشارة أنّ المقاتل المتورّط في حادثة رمي جثة (دنيز عفريني)، وحسب الإعلام المحلي، هو مقاتل مصري الجنسية اسمه (أحمد منصور)، وهو مطلوب مصريًا ودوليًا، حيث كان ينتمي إلى فصائل إسلامية متشدّدة ضد نظام السيسي، وخوفًا من اعتقاله هرب إلى سوريا والتحق بفصائل سورية متشدّدة، وبعد هروب بشار الأسد التحق مع مقاتلين أجانب من أمثال (أحمد العبيد المعروف بأبو دجانة) بالجيش السوري الجديد.
كما أظهر مقطع فيديو آخر لجندي تابع للجيش السوري، وهو يسحل جثة مقاتل كوردي على درج مبنى في محلّة الشيخ مقصود، ويبدو في مقطع آخر عدد من عوائل محلّة الشيخ مقصود والأشرفية، وبينهم أطفال ونساء وشيوخ ومرضى عُزّل، أُجبروا قسرًا على الجلوس في الطرقات، ومحاطين بعناصر من الجيش السوري، ويتم وصفهم من قبل تلك العناصر بـ (الخنازير والكلاب).
بكلّ تأكيد إنّ هذه الجرائم البشعة، ومنها الإعدامات الميدانية والتمثيل بالجثامين على أيدي مجموعات موالية للسلطة في الأشرفية والشيخ مقصود، ترتقي دون أدنى شك إلى مصاف جرائم الحرب، وانتهاك مبادئ أبسط حقوق الإنسان، وحقوق أسرى الحرب حسب اتفاقية جنيف الثالثة لعام 1949، والتي تنص باختصار على حظر التعذيب والتجارب المختبرية على الأسرى، وضمان احترام الكرامة، وتوفير الاحتياجات الأساسية للأسرى، ومنع الإعدامات الميدانية والتمثيل بالجثامين بغضّ النظر عن هوية الأسرى أو انتمائهم.
ومن الجدير بالذكر أنّ السلطة الجديدة في دمشق اتُّهمت قواتها بالتورّط في جرائم الإبادة الجماعية ضد الأقلية العلوية في الساحل السوري في آذار (مارس) 2025، وضد الأقلية الدرزية في محافظة السويداء جنوبًا في تموز (يوليو) 2025، وبالرغم من تشكيل لجنة تحقيقية خاصة للبتّ في تلك الجرائم الموثّقة، إلّا أنّ الجهات المعنية لم تتّخذ أي إجراءات بحق المتورّطين في تلك الجرائم الشنيعة.
إنَّ هذه الانتهاكات الخطيرة تجاه أهالي أحياء الأشرفية والشيخ مقصود في مدينة حلب تثبت عدم جدّية الحكومة السورية في تحقيق المصالحة الوطنية، ودمج قوات سوريا الديمقراطية ضمن مؤسسات الدولة المتّحدة، واحترام حقوق الشعوب والأقليات والمكوّنات الأصلية، وفقًا لبنود اتفاقية آذار (مارس) 2025، وأنّها فشلت فشلًا ذريعًا في معالجة أخطر ملف، وهو ملف (المقاتلين الأجانب) في صفوف الجيش السوري الجديد، الذين هربوا من بلدانهم والتحقوا بالميليشيات السورية المتشدّدة في أثناء غزوة داعش، ويرتكبون اليوم أبشع الجرائم بحق الشعوب والأقليات والمكوّنات السورية الأصيلة.
والسؤال الأهم هو: هل يمكن العيش في ظل هذه الوحشية المفرطة تجاه شعوب وأقليات تريد أن تعيش بسلام وأمان على أرضها؟ وهل يتم ملاحقة مرتكبي هذه الجرائم الخطيرة والمحرّضين عليها دوليًا؟


