من المؤسف، بل والمعيب، أن تتحول مؤسسات إعلامية معتبرة تحترم نفسها وجمهورها إلى بوق دعاية لصالح هذا الطرف أو ذاك، وتنزلق إلى مستنقع موحل تتمرغ فيه من أجل مصلحة شخص أو جهة ما. فالإعلام المحترم لن يتحول من مؤسسة إعلامية إلى مؤسسة إعلانية تدق الطبول والمزامير لترويج بضاعة، أو تصبح مجرد آلة يديرها هذا أو ذاك. فالمؤسسات المحترمة يجب أن تحترم في خطاباتها الإعلامية مشاعر الملايين من جمهورها الذين يتابعونها، وأن لا تصبح مجرد قطعة شطرنج يتلاعب بها الآخرون.
هناك المئات، إن لم نقل الآلاف، من القنوات الإعلامية وما يماثلها من المؤسسات الإعلامية كالصحف والجرائد، ولكن قلة منها تحظى بالشهرة والاهتمام والمتابعة. فمن أهم دعائم نجاح أي مؤسسة إعلامية هو المصداقية في نقل الخبر وعدم الانحياز. ولسنوات كانت قنوات إعلامية تتسيد الساحة وما زالت، ولكن كل هذه القنوات تحولت في الآونة الأخيرة، وعن سابق تصميم، إلى أبواق دعاية تضليلية، وخسرت بذلك مصداقيتها من خلال الانحياز إلى قضايا لم تكن أصلاً بحاجة إلى مثل هذا الانحياز والانحدار. لعل في مقدمتها ما نلمسه من انحياز مخزٍ لخطاب سياسي وإعلامي للتنظيمات الإسلامية المتطرفة «القاعدة» أولاً، ثم «الإخوان»، وحتى «داعش».
وما زالت بعض هذه القنوات الإعلامية تسير على النهج الخاطئ نفسه في دعمها للخطاب المتطرف المتوحش، وخاصة عندما يتعلق الأمر بالقضية الكردية في المنطقة. وهذا ما لاحظته بشكل جلي في الفترة الأخيرة من خلال تقبيح صورة الكرد لدى المتلقي العربي، وخصوصاً القوى السياسية الكردية في الجزء السوري، وتحديداً قوات سوريا الديمقراطية التي تناضل من أجل تثبيت حقوق شعبها المشروعة في سوريا الجديدة بعد عقود طويلة من الحكم البعثي المجرم.
ويتجلى ذلك الخطاب الإعلامي بكل وضوح في التحالف الغريب بين الدول المعادية للقضية الكردية، وفي مقدمتها تركيا وصنيعتها الحكم الجديد في دمشق، بالتعاون مع بعض الدول الخليجية التي تمتلك قنوات إعلامية دولية فاعلة. وهي دول لا أرى أي مصلحة لها في الدخول بمثل هذا العداء الغريب ضد الشعب الكردي الذي لم يكن يوماً ضد العلاقة مع العرب، بل كان يدعو حتى إلى أواصر الأخوة والكفاح معهم. والتاريخ يشهد بأن الكرد كانوا من أوائل شعوب المناطق القريبة من مهد الإسلام الذين قبلوا الدين الجديد دون أية مقاومة تُذكر. أليس غريباً أن يُنظر إليهم اليوم كأعداء من قبل الدواعش والإخوان والسلفيين؟
في ثلاث محافظات كردية فقط بإقليم كردستان توجد سبعة آلاف مسجد وجامع، ويُعد المجتمع الكردستاني من أكثر المجتمعات محافظة على فرائض الدين الإسلامي، فلماذا إذن يُحارب الكرد بهذا الشكل الوحشي منذ عشرات العقود؟
لقد قدمنا نحن الكرد للعرب الكثير والكثير.
أعطيناهم أجل علماء الدين والمؤرخين مثل ابن خلكان الأربيلي، وابن المستوفي الأربيلي، وشيخ الإسلام ابن الصلاح الشهرزوري.
أعطيناهم أمير الشعراء أحمد شوقي، فأعطونا أحمد منصور... فشتّان بين الأحمدين.
أعطيناهم العبقري عباس محمود العقاد، فأعطونا داعية القتل يوسف القرضاوي.
أعطيناهم أبو الفن نجيب الريحاني، فأعطونا الذبّاح أبو مصعب الزرقاوي.
أعطيناهم أحمد بدرخان، فأعطونا أبو بكر البغدادي.
أعطيناهم عبد الباسط عبد الصمد، فأعطونا أبو سفيان البحريني.
أعطيناهم سعاد حسني ملكة المرح، فأعطونا أم جهاد ملكة جزّاري داعش.
طهرنا لهم أرض سوريا من الإرهاب الداعشي، فقصفوا أرضنا بالصواريخ والمدافع والمسيرات.
السؤال هو: ماذا فعل الكرد للعرب غير الخير حتى يواجهوا بكل هذا الظلم الذي يلحق بهم كل يوم؟ ما ذنبهم وهم يتعرضون إلى احتلال أرضهم وتهجيرهم وتشريدهم في سوريا، بعد أن كانوا لعقود ضحايا النظام البعثي؟
قسد تقاتل دفاعاً عن المسيحيين والعرب والتركمان والإيزيديين وغيرهم، وحكومة دمشق تقاتل الكرد بمقاتلين من الأفغان والشيشان والأوزبكستان. فأيهما أحق بأرض سوريا وبالدفاع عن عرض وشرف سوريا؟ قسد حمت سوريا والبشرية جمعاء من وحوش داعش، وطهرت أرض سوريا منهم، فهل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟
الحرب الحالية هي، بكل المقاييس، حرب النظام التركي ضد قوات سوريا الديمقراطية، يخوضها أحمد الجولاني نيابة عنها. ويا لخيبة السوريين في حاكم سوريا الجديد الذي يرتهن إراداته بيد نظام يعادي كل أعراق الأرض ما عدا العرق التركي، فلقد قال جدهم الأكبر: «سعيد من هو تركي».


