: آخر تحديث

لبنان ليس "مشكلة صغيرة"... بل أزمة أنظمة داخل نظام

25
25
20

قال الرئيس الأميركي دونالد ترامب مؤخراً إن "مشكلة لبنان ليست كبيرة نسبياً". لكن من ينظر إلى لبنان من داخله، لا من خرائط السياسة الدولية، يدرك أن القضية أعمق بكثير من توصيف عابر. لبنان ليس مسألة تقنية تحتاج إلى معالجة إدارية سريعة، بل أزمة بنيوية متراكمة تتشابك فيها السياسة بالاقتصاد، والطائفية بالمصالح، والسلطة بمفهوم الغنيمة.

لبنان ليس بلداً متعثراً فقط، بل بلداً أُضعف تدريجياً عبر منظومة حكم اعتادت التكيّف مع الانهيار بدلاً من منعه. على امتداد عقود، تشكّلت طبقة سياسية متماسكة في بنيتها وإن تبدلت وجوهها. لم تُدر الدولة بوصفها عقداً اجتماعياً بين المواطنين، بل باعتبارها مساحةً لتوزيع الحصص. وهكذا تحوّلت المؤسسات إلى مناطق نفوذ، وغابت المحاسبة الفعلية، وترسّخت ثقافة الزبائنية بدلاً من ثقافة الدولة.

لم تُستثمر الثروات الوطنية في بناء اقتصاد منتج، بل جرى استنزافها في شبكات مصالح متداخلة. المواطن وجد نفسه خارج المعادلة، يدفع كلفة نظام لا يعكس طموحه ولا يضمن له حداً أدنى من الاستقرار.

الأزمة اليوم لم تعد نظرية، بل موثقة بالأرقام. بحسب تقارير حديثة للبنك الدولي، ارتفع معدل الفقر في لبنان من 12 بالمئة عام 2012 إلى نحو 44 بالمئة عام 2022، أي ما يقارب 3 ملايين شخص يعيشون تحت خط الفقر النقدي. وفي بعض المناطق، تجاوزت النسبة حدوداً صادمة. وعندما يُؤخذ في الاعتبار الفقر متعدد الأبعاد — الذي يشمل الحرمان من الكهرباء والصحة والتعليم والخدمات الأساسية — فإن نسبة المتضررين تتجاوز 70 بالمئة من السكان. هذه الأرقام لا تعبّر عن أزمة ظرفية، بل عن انهيار بنيوي يطال القدرة الشرائية، ويُضعف الطبقة الوسطى، ويهدد التماسك الاجتماعي.

الأخطر من الفقر المادي هو الفقر البشري. فهجرة العقول لم تعد ظاهرة عابرة، بل اتجاهاً مستمراً. أطباء، مهندسون، باحثون، ورواد أعمال يغادرون لأنهم فقدوا الثقة بإمكانية الإصلاح. حين تفقد الدولة أبناءها الأكثر كفاءةً، تفقد قدرتها على النهوض. لا نهضة بلا عقول، ولا استقرار بلا طبقة وسطى منتجة.

صناديق الاقتراع قائمة، لكن التغيير الحقيقي يبقى محل سؤال. القوى التي تمسك بمفاصل القرار منذ عقود لا تزال تؤثر عبر شبكات نفوذ متجذرة. يتبدل الخطاب السياسي، أما البنية فتبقى على حالها. الدولة هنا لا تُدار بمنطق مؤسسات حديثة، بل بتفاهمات بين زعامات تمثل قواعد طائفية مغلقة. يختلفون في العلن، ويلتقون عند تقاسم النفوذ في الملفات الحساسة.

المشكلة اللبنانية لا تكمن في وجود نظام واحد يمكن تغييره بسهولة، بل في تعدد أنظمة داخل إطار رسمي واحد. لكل زعيم شبكة خدمات وولاءات ومؤسسات رديفة، بينما يبقى مفهوم الدولة الجامعة ضعيفاً. يتقاطعون عند توزيع المكاسب، ويختلفون عند الحديث عن الإصلاح. وهكذا تصبح الدولة مظلة شكلية، بينما القرار الفعلي موزع بين مراكز قوة متعاونة حين تلتقي مصالحها.

هذا الواقع يُنتج مفارقة واضحة: القوى المتواجهة سياسياً تتلاقى عند القضايا المالية الكبرى. تعطيل الإصلاحات، ضعف الرقابة، وتعثّر استعادة أموال المودعين ليست أحداثاً منفصلة، بل مؤشرات على توازنات تحمي الامتيازات القائمة. الدولة القوية تهدد هذه الامتيازات، والدولة العادلة تفرض الشفافية، لذلك يستمر الإبقاء على الهشاشة.

غير أن التشخيص وحده لا يكفي. لبنان يحتاج إلى إعادة تعريف مفهوم الدولة على أساس المواطنة والمؤسسات. الإصلاح لا يبدأ من النصوص فقط، بل من الإرادة السياسية التي تقبل بتقليص النفوذ لمصلحة القانون. المطلوب مسار متكامل يعزز فصل السلطات، ويضمن استقلال القضاء، ويرسخ الشفافية المالية، ويعيد الاعتبار لقانون انتخابي ينتج تمثيلاً وطنياً حقيقياً، ويطلق اقتصاداً إنتاجياً يركز على الصناعة، والتكنولوجيا، والتعليم، ويشجع استثمارات اللبنانيين في الخارج، ويوسع شبكات الحماية الاجتماعية لدعم الفئات الأكثر هشاشةً.

لكن أي إصلاح لن ينجح من دون استعادة الثقة بين المواطن والدولة. الثقة هي الأساس، وعندما تنهار، يتآكل كل شيء بعدها. الدولة التي يشعر مواطنوها بأنها عادلة وفعالة قادرة على الصمود حتى في الأزمات. أما الدولة التي تُدار كشبكة مصالح، فتبقى عرضة للاهتزاز المستمر.

لبنان ليس تفصيلاً في معادلات المنطقة، ولا قضيةً ثانويةً في أجندات القوى الدولية. هو مجتمع حيّ، متنوع، ومبدع، أثبت عبر تاريخه قدرته على التجدد حين تتوافر البيئة المناسبة. تقليص أزمته إلى "مشكلة صغيرة" لا ينسجم مع حجم التحديات البنيوية التي يواجهها. الدعم الدولي، إن أتى، ينبغي أن يكون مرتبطاً بإصلاح فعلي يضع المؤسسات فوق الأشخاص، والقانون فوق الامتيازات.

لبنان ليس مشكلة صغيرة.

إنه وطن يحتاج إلى انتقال من منطق الأنظمة المتوازية إلى منطق الدولة الواحدة، ومن ثقافة الغنيمة إلى ثقافة المؤسسات، ومن إدارة الانهيار إلى بناء الاستقرار.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.