: آخر تحديث

كيف تستعد دول الخليج لسيناريوهات "ما بعد السقوط" في إيران؟

3
3
3

إذا كان سقوط النظام الإيراني يمثّل تغييرًا تاريخيًا في موازين القوى، فإنّ "إدارة السقوط" هي التحدّي الأكبر الذي سيواجه دول مجلس التعاون الخليجي، فالانتقال من مرحلة "التنافس الإقليمي" إلى مرحلة "إدارة الفراغ الأمني" يتطلّب إستراتيجيةً خليجيةً استباقيةً تتحرّك في ثلاثة مسارات متوازية: المسار الدبلوماسي، والمسار الأمني، والمسار الاقتصادي.

أولًا: المسار الدبلوماسي والسياسي (من ردّ الفعل إلى المبادرة)
يجب أن تتجاوز الدبلوماسية الخليجية الأساليب التقليدية لتصبح "دبلوماسيةً وقائيةً" تمنع تحوّل إيران إلى ثقبٍ أسود يبتلع استقرار المنطقة، من خلال عدم حصر الرهانات على السلطة المركزية المستقبلية فقط، بل يجب على دول الخليج فهم خريطة القوى البديلة والحركات القومية في إيران "الأكراد والعرب والبلوش"، لضمان عدم استهداف المصالح الخليجية في حال نشوب صراعاتٍ عرقية، ولتكون دول الخليج وسيطًا مقبولًا في ترتيبات المستقبل. وأيضًا من خلال خلق "كتلة استقرار" عربية، وتعزيز التنسيق مع القوى العربية الوازنة مثل مصر والأردن، لتكون حزامًا أمنيًا وسياسيًا يمنع تمدّد الفوضى الإيرانية إلى المشرق العربي، ويملأ الفراغ الذي قد يتركه غياب النفوذ الإيراني المنظّم. كما يجب العمل مع المجتمع الدولي لضمان ألّا يكون السقوط مفاجئًا ومدمّرًا، فالمصلحة الخليجية تقتضي وجود "انتقال سياسي" يحافظ على مؤسّسات الدولة الإيرانية ويحوّلها إلى دولةٍ طبيعية، بدلًا من انهيارٍ شامل يحوّلها إلى "صومال جديد" على ضفاف الخليج.

ثانيًا: المسار الأمني والدفاعي "تحصين الجبهة الخارجية"
نظرًا للقرب الجغرافي، تصبح التهديدات الأمنية في حال السقوط تهديداتٍ "وجوديةً" وليست مجرّد مناوشاتٍ حدودية، ولهذا يجب تطبيق الاستنفار البحري والساحلي حرصًا على منع انفلات السواحل الإيرانية، وبالتالي ستصبح مياه الخليج مرتعًا لمهرّبي السلاح والمخدّرات، ومنطلقًا لموجات هجرةٍ غير شرعيةٍ ضخمة. لذا فإنّ رفع جاهزية القوات البحرية وحرس الحدود هو الأولوية الأولى لمنع اختراق سيادة الدول الخليجية. كما يجب تفعيل المظلّة الصاروخية والسيبرانية خشية تعمّد تصدير الأزمة عبر هجماتٍ صاروخيةٍ يائسة من أطرافٍ إيرانيةٍ متصارعة "أو بقايا ميليشياتٍ منفلتة". وهنا تبرز أهمية تعميق منظومات الدفاع الجوي "مثل ثاد وباتريوت"، وتأمين البنى التحتية الحيوية من الهجمات السيبرانية التي قد تستهدف محطّات المياه والكهرباء والنفط.

ثالثًا: المسار الاقتصادي (تأمين سلاسل التوريد والطاقة)
الاقتصاد هو المحرّك الذي يجب ألّا يتوقّف حتّى في ذروة الأزمات السياسية، ولهذا يجب إيجاد بدائل عن ممرّات الطاقة، والخوف من تعطّل الملاحة في مضيق هرمز يتطلّب تفعيلًا فوريًا لخطوط الأنابيب البديلة، مثل خطّ "حبشان–الفجيرة" في الإمارات، وخطّ "شرق–غرب" في السعودية، لضمان استمرار تدفّق النفط للعالم بعيدًا عن مناطق النزاع. كما يجب تحقيق الأمن الغذائي والاستعداد للنزوح البشري من خلال بناء مخزوناتٍ إستراتيجيةٍ طويلة الأمد لمواجهة أيّ تعطّل في سلاسل التوريد العالمية. أمّا إنسانيًا، فيجب وضع خطط طوارئ لاستقبال أو إيواء اللاجئين في مناطق آمنة، بما يضمن الالتزام بالجانب الإنساني دون التأثير على التركيبة السكانية أو الاستقرار الداخلي للدول المضيفة.

تطرح هذه السيناريوهات سؤالًا جوهريًا: هل من مصلحة واشنطن أو موسكو رؤية إيران "دولةً فاشلةً"؟ الواقع الجيوسياسي يقول إنّ القوى الدولية قد تختلف على "هوية" النظام في طهران، لكنها تتّفق على ضرورة وجود "مركز" يتحكّم في السلاح النووي ومنابع النفط وأمن الملاحة. وتحويل إيران إلى "صومال" على حدود منابع الطاقة العالمية هو كابوس للاقتصاد الصيني والروسي والأميركي على حدٍّ سواء، لذا فالأرجح هو حدوث "توافقٍ اضطراري" دولي لدعم انقلابٍ عسكري أو انتقالٍ منظّم للسلطة يمنع الانهيار الشامل.

خلاصة القول إنّ التحدّي الأكبر الذي يواجه دول مجلس التعاون الخليجي في اللحظة الراهنة ليس سقوط نظام "الولي الفقيه" ككيانٍ سياسي أو أيديولوجي، بل الفراغ الجيوسياسي الذي سيخلّفه هذا السقوط. فالتاريخ القريب في المنطقة "العراق وسوريا وليبيا" أثبت أنّ "الدولة الصعبة"، بالرغم من عدائها، تظلّ كيانًا يمكن التنبّؤ ببعض تحرّكاته أو ردعه، بينما "اللاحالة" أو الفوضى هي عدوّ لا رأس له ولا يمكن التفاوض معه. إنّ دول الخليج اليوم تقف أمام مفارقةٍ تاريخية، فهي من جهة تتطلّع للخلاص من سياسات طهران التوسّعية، ومن جهةٍ أخرى تدرك أنّ استقرار ضفّتي الخليج وحدةٌ لا تتجزّأ. لذا فإنّ الهدف الإستراتيجي ليس مجرّد رؤية نهاية النظام الحالي، بل ضمان ألّا تكون هذه النهاية هي البداية لقرنٍ من الاضطرابات العرقية والمذهبية التي قد تستنزف مقدّرات "الرؤى التنموية" الطموحة التي تقودها دول الخليج (مثل رؤية 2030 وغيرها). فالاستراتيجية المثلى هي "التحوّط المرن"، أي الاستعداد للسيناريو الأسوأ "الحرب الأهلية"، مع العمل بكلّ ثقلٍ دبلوماسي على السيناريو الأفضل، وهو "إيران دولة طبيعية ومستقرّة". فالنجاح الخليجي يجب ألّا يُقاس بسقوط الخصم، بل بمدى القدرة على احتواء شظايا هذا السقوط ومنعها من هدم ما تمّ بناؤه من نهضةٍ اقتصاديةٍ واستقرارٍ اجتماعي.

 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.