: آخر تحديث

الملك فهد والشيخ جابر ومسؤولية الأخ الأكبر

2
2
2

قبل عشرين عامًا، وتحديدًا في الخامس عشر من كانون الثاني (يناير) عام 2006، نعى الديوان الأميري في دولة الكويت الشقيقة أمير البلاد صاحب السمو الشيخ جابر الأحمد الجابر الصباح، تغمّده الله بواسع رحمته ومغفرته وأسكنه فسيح جنّاته. وكان سموّه قد تولّى مقاليد الحكم إثر وفاة ابن عمّه أمير الكويت الأسبق صاحب السمو الشيخ صباح السالم المبارك الصباح، رحمه الله، صبيحة الحادي والثلاثين من كانون الأول (ديسمبر) عام 1977. ويوصف المرحوم سمو الشيخ جابر الأحمد بأمير اللحظات الحاسمة، بالنظر لحجم التحدّيات التي واجهها محليًا ودوليًا، فلم يكد يمضي 730 يومًا تقريبًا على جلوسه في مسند الإمارة حتى بدأ يلوح في الأفق اضطرابٌ إقليميٌّ سرعان ما تحوّل إلى اجتياحٍ قام به الاتحاد السوفييتي على جمهورية أفغانستان أواخر كانون الأول (ديسمبر) عام 1979، لأجل مساندة الحكومة الأفغانية الموالية للسوفييت في مواجهة المتمرّدين، ثم توالت الأحداث تباعًا لتندلع الحرب لعشر سنوات لاحقة. كما واجه الشيخ جابر، رحمه الله، تحدّيًا آخر كان الأخطر في ذلك الحين كونه على حدود بلاده، عندما دقّت طبول الحرب العراقية الإيرانية في الثاني والعشرين من أيلول (سبتمبر) عام 1980، وما تلاها من أحداث كبيرة على مدى ثماني سنوات عانت فيها الكويت من التداعيات المتسارعة، والتي بلغت ذروتها عندما تمّ استهداف الأمير نفسه بتفجير موكبه عام 1985 ونجاته من ذلك الحادث وتعرّضه لجروح بسيطة؛ لتأتي ثالثة الأثافي عندما غزا النظام العراقي برئاسة صدام حسين دولة الكويت في الثاني من آب (أغسطس) عام 1990، الدولة العربية الجارة الشقيقة التي ساندته طيلة أيّام حربه مع الإيرانيين بكلّ أنواع الدعم، ذلك الغزو الغادر الذي فشل في تحقيق أهدافه منذ ساعاته الأولى بعد نجاة القيادة الشرعية للكويت.

كان المرحوم الشيخ جابر رجل دولة من طرازٍ رفيع، محبًّا للخير والسلام والتنمية والتعاضد، لذلك بادر على هامش القمّة العربية في العاصمة الأردنية عمّان عام 1979 بمقترح إنشاء مجلس التعاون لدول الخليج العربية في اجتماعٍ جانبيٍّ جمعه مع أشقائه أصحاب الجلالة والسمو قادة دول المجلس، الذي رأى النور لاحقًا وتحديدًا في الخامس والعشرين من أيار (مايو) عام 1981.

يقول معالي السفير عبدالله يعقوب بشارة، أوّل من شغل منصب الأمين العام لمجلس التعاون، في أحد مقالاته قبل أشهر، بأنّه عند وصوله إلى الرياض قادمًا من بلده الكويت بعد ساعات من الاجتياح العراقي، تلاحقت الخطوات من إدانة العدوان إلى الحشد الإقليمي والدولي لعودة الكويت، واصفًا خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز آل سعود، رحمه الله، بأنّه جسّد الوفاء وأبدع في السخاء، وحوّل أنشطة الوزارات السعودية لتلتئم مع أولويات التحرير، فانشغل هو والأمراء والوزراء بجدول أعمالٍ واحدٍ يتكامل مع خطّة التحرير، وطوّع جغرافية المملكة وفضاءها وبرّها وبحرها وثقلها الدبلوماسي ومكانتها، ليعود أمير الكويت إلى موقعه مصحوبًا بجماهير شعبه. وذكر بشارة بأنّ الملك فهد قالها له بالحرف الواحد: الشيخ جابر قائدنا وجميعنا جنوده، وأوصاه بإبلاغ الكويتيين المتواجدين في الرياض بذلك.

ما أعظم نوادر الرجال عندما يتصدّون للمُلمّات وعظائم الأحداث بعزمٍ وصلابةٍ وتصميمٍ قاطع، فالملك فهد، كما يعلم الجميع، يكبر الشيخ جابر بخمس سنوات تقريبًا، لكنّها المسؤولية السامية عندما يضطلع بها الأخ الأكبر إنسانًا وبلدًا، تلك المسؤولية الأخلاقية الكبرى في معانيها ومضامينها التي لا تعني مجرّد السلطة لفرض القوّة أو الاستئثار بالقرار، بل التكامل والتعاون والتشاور لخير الجميع ودفع الأخطار والشرور، وهو الدور الذي تقوم به السعودية في منظومة مجلس التعاون منذ نشأته وحتى يومنا هذا، بقيادة مولاي خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، وسيدي صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، حفظهما الله ورعاهما.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.