: آخر تحديث

كيف يتعامل الغرب مع الشعوب الأخرى؟

7
6
7
مواضيع ذات صلة

منذ أن أصبح سيّد العالم، وذلك انطلاقا من القرن الخامس عشر، والغرب يبهر، ويخيف الشّعوب الأخرى. يتساوى في ذلك الصّينيّون، واليابانيّون، والهنود، والعرب، والأفارقة، وغيرهم من الشعوب. وجميع هذه الشّعوب سعت، ولا تزال تسعى للإقتداء به خصوصا على المستوى العلمي، والتّكنولوجي الذي بلغ فيه درجات مدهشة. وأغلب الثورات التي اندلعت في الفضاءات التي لا تنتمي الى الغرب، استلهمت شرعيّتها من فلسفة الأنوار، ومن الثّورة الفرنسيّة. وعندما شعر الغرب أنه أصبح متفوّقا على بقيّة الشّعوب الأخرى، بسط نفوذه على القارّتين الآسيويّة،والإفريقيّة، مبيحا لنفسه استغلال ثرواتهما بشكل فاحش، ومنكّلا بشعوبهما، دائسا على القيم الحضاريّة والإنسانيّة التي كان يتبجّح بها، وزاعما أنه حارسها الأمين.

غير أن الإحتلال لم يمنع نخب البلدان المستعمَرة من أن تتأثّر بالجوانب التنويريّة في الفكر الغربي، وبالدساتير الحامية لحقوق الإنسان ولحرية الشّعوب في تقرير مصيرها، لتقود الثورات والنضالات المريرة من أجل الإستقلال. ولم يكن الزّعماء الوطنيّون الكبار في الهند أمثال غاندي ونهرو، والأفارقة مثل سنغور، وهوفوات بوانيي، وكوامي نكرومه، والعرب أمثال بورقيبة، والبعض من قادة الثورة الجزائريّة ، والرئيس المصري الراحل عبد الناصر يخفون إنبهارهم بالغرب، وبحضارته، وبتقدّمه الصّناعي والتّكنولوجي. إلاّ أنّ انبهارهم ذاك لم يمنعهم من التّنديد بالجوانب المظلمة والسّيّئة في سياسة الغرب تجاه الشّعوب المولّى عليها.ولم تتمكّن الثّورة البلشفيّة التي اندلعت في روسيا ليمتدّ لهيبها إلى الصيّن، وإلى بلدان اوروبا الشرقيّة ، وإلى بلدان أمريكا اللاتينيّة من أن تقلّص القدرات الهائلة التي يمتلكها الغرب الرأسمالي لإبهار الشّعوب الأخرى. وعندما انهار جدار برلين عام 1989، والذي أعقبه تفتّت ما كان يسمّى بالإتحاد السوفياتي ، ليتقلص جليد  "الحرب الباردة"بين المعسكر الإشتراكي، والمعسكر الرأسمالي، شعر الغرب بقيادة الولايات المتحدة الأمريكيّة أنه أصبح من جديد سيّد العالم.وقد اتضح بالدليل القاطع أن الشعوب التي عاشت عقودا طويلة في ظلّ أنظمة شيوعيّة، لم تتأثّر بالقيم الإشتراكية، بل كانت في جلّها تتطلّع إلى حياة لا تكاد تختلف في شيء عن نمط الحياة في البلدان الرأسماليّة. وعلينا ألاّ ننكر أن الرأسماليّة الغربيّة لا تزال تبهر كلّ شعوب الأرض، ولا تزال الحداثة بحسب النمط الغربي تفتن النّخب حتى في البلدان التي لا تزال تعيش التخلّف، والإستبداد. وفي العالم الإسلامي، تشنّ الحركات الأصوليّة معارك ضارية ضدّ "الغرب الكافر"، وتقترف العديد من أعمال العنف بهدف زعزعة استقراره، غير أن ذلك لا يمنعها من إظهار رغباتها الجامحة في امتلاك ما ينجزه الغرب في المجال العلمي والتكنولوجي. وهذا ما تسعى اليه ايران التي يحكمها رجال الدين منذ أزيد من ثلاثة عقود.

لكن كيف نفسّر موجات العنف والغضب ضدّ الغرب، والتي تبرز بين وقت وآخر في كلّ من إفريقيا، وآسيا، وفي مناطق أخرى من العالم؟ ذلك هو السؤال الذي يطرحه البعض من المفكرين الغربيين. وهؤلاء يقولون بإنّ انتفاضات الغضب والعنف التي تنفجر ضدّ الغرب تعود إلى أن كثيرا من الشعوب اكتشفت، أو هي بدأت تكتشف الجوانب المعتمة والسلبيّة في الغرب وفي حضارته، وسياساته. والغرب بالنّسبة لهذه الشعوب كائن مغرور، وأناني يريد أن تكون الحريّة، والديمقراطيّة، والرفاهيّة الإقتصادية له وحده، حارما الشعوب الأخرى من هذه النّعم.وهذا ما يفسّر تدخّله الّسافر في الشؤون الداخليّة للعديد من البلدان حين يشعر أن مصالحه فيها، أو في البلدان المجاورة لها باتت مهدّدة. ويرى هؤلاء المفكرون و أن الغرب، بسبب شعوره المتعاظم بالقوة، واعتداده بنفسه، أصبح شديد الغطرسة بحيث لم يعد قادرا على تلمّس حقائق الواقع. وهذا ما أبرزته الولايات المتحدة في تدخّلها العسكري في العديد من البلدان. وتقول حقائق الواقع العالمي الجديد أن الحداثة الغربيّة أصبحت تحوّل كلّ من يعارضها،أو يسعى إلى مقاومتها إلى"شيطان شرّير" يتحتّم القضاء عليه. كما أنها تتجاهل الأسئلة الخطيرة التي تعرّي سطحيّتها، وخواءها. و ولعل ذلك يعود إلى أن الغرب بات "مُتْعبا"، وعاجزا على أن "يشعّ" لكي يكون نموذجا يحتذى به مثلما كان حاله في زمن الإمبراطوريات الإستعممارية التي لا تغيب عنها الشمس.

وييرى الفرنسي كلود غيبو بأنه إذا ما كان الغرب يعاني من أزمة في الوقت الرّاهن، فلأنه كفّ عن أن تكون له القدرة على النقد الذّاتي التي كان يمتلكها في السابق". كما أنّ الغرب بحسب رأيه، قطع مع الفكر الغربيّ النقدي الكانطي(نسبة إلى كانط)، مُغلقا بذلك على نفسه الأبواب، والنوافذ ليعيش التّذبذب، والتردّد، والحيرة أمام ما يجدّ في العالم من أحداث. ولعلّ ذلك يساعدنا على تفسير مواقفه المتناقضة والمتغيّرة تجاه ما يجدّ في العالم العربي على مدى الأعوام الماضية. فهو يعلم مثلا ان الحركات الأصولية في مصر وتونس وليبيا واليمن مناهضة له، على الأقل على المستوى الخطاب السياسي والإيدويلوجي. كما أنها نفّذت العديد من أعمال العنف ضدّ مصالحه في مناطق مختلفة من العالم. مع ذلك، هو لا يتردّد في مساندتها، مطالبا خصومها بالتحاور معها.وبالأحضان يستقبل رموزها.وهذا ما فعلته فرنسا وبريطانيا وألمانيا مع البعض من زعماء الحركات الأ صولية .ويذكّرناذلك بالخطأ الفادح الذي ارتكبته البلدان الغربيّة في الثلاثينات من القرن الماضي عندما قلّلت من خطر النازيّة من خلال "معاهدة ميونيخ" التي أعطت لهيتلر الضّوء الأخضر ليغزو النمسا، وتشيكوسلوفاكيا، ثم فرنسا مفجّرا الحرب الكونيّة الثانية.والمساندة التي يظهرها الغرب تجاه الحركات الأصوليّة تبرز أنه ليس مهتمّا بالديقراطية في البلدان العربيّة بقدر ما هو مهتمّ بإبعاد مخاطر الإرهاب الأصولي عن شعوبه، وعن مصالحه.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في فضاء الرأي