: آخر تحديث

هل هناك بوصلة حقيقية للحياة؟

6
4
5

رائد محمد آل شهاب

قبل فترة طويلة من الزمن كنت بالولايات المتحدة، وبينما أقود السيارة لمحت اسماً جميلاً جداً لمصرف أو بنك يدعى «Compass Bank» فعلى ما أعتقد كانت خدماته البنكية تركز على الجامعة ومنسوبيها وطلابها. فقررت أن أتعامل مع هذه المؤسسة المالية.

كثير من الأحيان تجذبنا الأشياء الجميلة مثل بنك البوصلة، جميل أن تكون الحياة ببوصلة واضحة المعالم. ولكن السؤال الأهم: كم أعداد المتابعين للبوصلة الحقيقة للحياة؟! فالحياة أصبحت مليئة بالبوصلات والإرشادات من الكتب السماوية والعلمية في شتي المجالات.

تُشير البوصلة إلى الاتجاه، لكنها لا تحدد وجهةً نهائية، فهي ليست خريطةً ولا خطةً، بل مجرد مؤشر يوضح الاتجاه الذي تسير نحوه حالياً. وفي مجال «تصميم الحياة (Life Design) تؤدي بوصلتك الشخصية الدور ذاته. فأنت حرٌ في اختيار الاتجاهات والوجهات، ورغم أن هذه الخيارات قد تتغير مع اكتسابنا لمعارف جديدة وتبدل ظروف الحياة، إلا أن البوصلة تساعدنا في الحفاظ على مسارٍ محدد، مسارٍ نختاره بناءً على قيمنا ومبادئنا. تتألف هذه البوصلة من عنصرين أساسيين:

* رؤيتك للعمل Work View

* رؤيتك للحياة Life View

تتمثل «رؤيتك للعمل» في فلسفتك الخاصة تجاه العمل: ما الغاية من العمل؟ وما الذي يمنحه معنىً وقيمة؟ وكيف تصف العمل الجيد من وجهة نظرك؟

أما «رؤيتك للحياة» فهي منظورك الأوسع والأشمل، أي ذلك السؤال الجوهري حول معنى الحياة: ما هي الأمور الأكثر أهمية في الحياة؟ وما هي معتقداتك حول العالم والناس والغاية من الوجود؟ وما هو الدور الذي تلعبه العلاقات والجانب الروحي في حياتك؟

تعمل هاتان الرؤيتان بمثابة إحداثياتٍ توجهك نحو اتخاذ قراراتك. وعندما تتكامل رؤيتك للعمل مع رؤيتك للحياة، تزداد احتمالية شعورك بالرضا والسعادة، لأنك تدرك أن خياراتك تنسجم تماماً مع قناعاتك الحقيقية. يُطلق على حالة الانسجام هذه مصطلح «الترابط» Coherence، وتشير الدراسات العلمية إلى أنه أحد المؤشرات الدالة على الازدهار والنمو الإنساني.

هناك مثال جميل عن إحداثيات بوصلة التاريخ والأحداث العميقة للإنسان تجاه البشرة الداكنة: أنا ممن يُقال عنهم إنهم «يتحدثون بأسلوب البيض»، أي أنني أتحدث بطريقة مهنية وسليمة عند التواجد في بيئة عمل احترافية. لقد تحدثتُ في مناسبات عدة مع أصحاب عمل محتملين عبر الهاتف، وبدا عليهم اهتمام كبير بمقابلتي شخصياً، ولكن عند وصولي لإجراء المقابلة، وحين كنت أُعرّفهم بنفسي، كانوا يُبدون دهشة واضحة ويطلقون عبارة «أوه!»؛ إذ يبدو أنني لم أكن أبداً كما توقعوا. وفي تلك اللحظة، كنت أدرك دائماً أنني لن أحصل على الوظيفة. ذات مرة، نزلتُ من عربة الترام «Tram» في وسط مدينة فيلادلفيا واصطدمتُ عن غير قصد بامرأة بيضاء مسنة. بادرت فوراً بالقول: «هاك، خذ حقيبتي فقط لا تؤذني» لقد شعرت بالصدمة، إذ لم أستطع تصديق أنها ظنت أنني سأسرقها. وعندما أمشي في الشارع، إذا كانت هناك امرأة بيضاء تسير في اتجاهي، فغالباً ما تعبر إلى الجهة المقابلة من الشارع أو تضغط بقوة أكبر على حقيبتها كلما اقتربتُ منها. أظن أنني أصبحت متبلّد الشعور تجاه هذه المواقف الآن، لأنني أتوقع حدوثها، وأعتقد أن هذا هو الجانب المحزن في الأمر. فمجتمعنا لم يتجاوز مرحلة التحيز بعد، بل أصبحت التميز والتحيز أكثر خفاءً ودقة في أشكالهما. في المقابل، فإن معظم عملائي من البيض، وهم يرحبون بي في منازلهم، ويسمحون لي بالعمل على أجهزة الكمبيوتر الخاصة بهم مع منحِي صلاحية الوصول الكاملة لبياناتهم، بل إن بعضهم تركني بمفردي في منازلهم أثناء عملي بينما ذهبوا لقضاء بعض الحاجيات. إنهم يمنحونني قدراً هائلاً من الثقة. لذا، فبالنسبة لي، مواقف التحيز ليست ظاهرة شاملة أو حتمية، بل تعتمد حقاً على تجارب الفرد ونشأته. أختار التركيز على الجوانب الإيجابية، ولكن عند مواجهة التحيز، فإن الأمر يجعلني أتوقف للحظة لأدرك أن أمامنا طريقاً طويلاً جداً لنقطعه.

في الجهة المقابلة، هناك فليم جميل شاهدته يدعى «Straw» هو فيلم دراما وجريمة ونفسي أمريكي من تأليف وإنتاج وإخراج تايلر بيري. تدور أحداث الفيلم حول أم عزباء تكافح لتوفير احتياجات ابنتها المريضة، حيث تدفعها سلسلة من الأحداث إلى اتخاذ تدابير متطرفة. فهناك عبارة قالتها بطلة هذا الفيلم في غاية التأثير والقوة:

Black Women always have something to get over, will / would you take my daughter for me when they lock me up? Today, we have nowhere to live. They treat us like martyr. I never had anybody stand by me.

تواجه النساء السود دائماً عقباتٍ عليهنّ تخطّيها، هل ستتولّى رعاية ابنتي نيابةً عنّي حين يُزجّ بي في السجن؟ ليس لدينا مأوى نلجأ إليه اليوم، وهم يعاملوننا وكأننا شهيدات، في حين لم يقف أحدٌ بجانبي قط.

من السهل جداً أن يضيع المرء وسط مشاغل الحياة اليومية: العمل، والصداقات، والعائلة، ومحاولة مواكبة الوتيرة المتسارعة للعالم. وأحياناً وسط كل هذا الضجيج، تنسى أن تتوقف قليلاً لتراجع نفسك وتطمئن على حالك. إن بوصلة الحياة هي دليل بسيط يساعد على رؤية الوجهة الحقيقية وتحديد ما تريد أن تضعه في هذه الحياة. يتعلق ببساطة بالوضوح والانسجام مع الذات. وفي قلب هذه البوصلة، تدون القيم الجوهرية التي تريدها أن تكون مرشداً لك مهما كانت الظروف: الإيمان بوجود خالق عظيم، واللطف، والنمو، والإبداع، والتواصل الإنساني. هذه بعض القيم التي تمثل «البوصلة الحقيقية للحياة».

المصادر:

* Find Your Compass: How to Navigate Big Life Questions? By. Designing Your Life

* What»s it Like for African People Living in the United States of America? By. Quora – August 08, 2025

* The Life Compass: How to Find Direction When you Feel Lost الجزيرة Overwhelmed? By. Medium – Dee»s Tea Time, September 23, 2025


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد