قبل سنوات، دار بيني وبين أحد المسؤولين النقديين في دول الخليج حديث عن العملة الخليجية الموحدة. كان يرى أنه لا حاجة إلى عملة موحدة ما دامت العملات الخليجية مرتبطة بالدولار، وتتمتع فيما بينها بدرجة عالية من الاستقرار. ظلت هذه الجملة حاضرة في ذهني منذ ذلك الوقت. اليوم، تعود هذه الجملة إلى الواجهة، لكن بحدة أكبر من أي وقت مضى، وخاصة في ظل التحوّلات التي يشهدها الاقتصاد الخليجي والنظام الاقتصادي العالمي.المؤكد أن دول مجلس التعاون الخليجي قريبة من حالة «شبه اتحاد نقدي»، نتيجة استقرار أسعار الصرف البينية وارتباط معظم عملاتها بالدولار. بمعنى آخر، قطعت دول الخليج بالفعل جزءًا من الطريق نحو الاتحاد النقدي، دون أن تصل إلى مرحلته الأخيرة. الاقتصادات الخليجية تتجه اليوم إلى مزيد من التنويع، وأسواقها المالية تتوسع، واستثماراتها العابرة للحدود تتزايد، وطموحها لأن تصبح مراكز عالمية لرأس المال والتجارة والتقنية يكبر، فقد حان الوقت لاستكمال هذه الرحلة، وتحويل التشابه النقدي القائم إلى قوة اقتصادية ومالية مشتركة.أهمية العملة الخليجية اليوم لا ينبغي أن تُقاس فقط بسعر الصرف أو السياسة النقدية. دول الخليج نفسها لم تعد الاقتصادات التي كانت عليها عندما طُرحت فكرة العملة الموحدة قبل عقود. الرؤى الاقتصادية الخليجية الحالية تستهدف جميعها، بدرجات مختلفة، تنويع مصادر النمو، وتعميق الأسواق المالية، وزيادة دور القطاع الخاص، وجذب الاستثمار الأجنبي، وتطوير الخدمات المالية واللوجستية والتقنية، وتقليل الاعتماد على النفط. هنا تصبح العملة الموحدة جزءًا من بنية اقتصادية أكبر، وليست مجرد وسيلة موحدة للدفع.مكاسب الاتحاد النقدي الخليجي تتجاوز فكرة إزالة مخاطر تقلب أسعار الصرف بين دول المجلس، لتمتد إلى تعميق التكامل بين أسواق الأسهم والسندات والنقد، ورفع كفاءة الخدمات المالية، والمساهمة في تطوير القطاعات غير النفطية. هنا تحديدًا، تزداد أهمية هذا التحرك في المرحلة الراهنة أكثر من أي وقت مضى.تخيل سوقًا مالية خليجية تتحرك داخل فضاء نقدي واحد، تستطيع فيه الشركات والحكومات إصدار أدوات الدين بعملة مشتركة، ويتعامل المستثمر مع سوق أوسع وأكثر سيولة، وتنخفض فيه بعض تكاليف المعاملات والمخاطر المرتبطة بتعدد العملات، عندها لا تعود العملة مجرد رمز للتكامل الخليجي، بل بنية تحتية مالية يمكن أن تخدم التحوّل الاقتصادي الذي تنفق دول الخليج مئات المليارات لتحقيقه.لا يقف الأمر عند حدود الخليج. التوترات الجيوسياسية، وتزايد استخدام الأدوات المالية في الصراعات الدولية، وتراكم الذهب لدى البنوك المركزية، ومحاولات تطوير أنظمة دفع وتسوية جديدة، أعادت جميعها إلى الواجهة العلاقة بين العملة والسيادة الاقتصادية، وخاصة في عالم أصبحت فيه العملة جزءًا من أدوات القوة الاقتصادية. امتلاك دول الخليج لثقل اقتصادي ومالي متزايد يتمثل في رأس المال وأسواق والطاقة والاستثمارات العالمية، يستدعي أيضًا بناء قوة نقدية تعكس هذا الثقل.
عملة تليق باقتصاد الخليج!
مواضيع ذات صلة

