مرحلة المراهقة لدى الفتيات محطة مفصلية في التطور العصبي والنفسي؛ وهذه التحولات البيولوجية تدفع الفتاة لتجاوز مرحلة التلقين والتقليد لتخوض رحلة بناء قناعاتها الخاصة. وهي عملية نمائية طبيعية لا تُعبر عن التمرد بقدر ما تعكس نضجاً فكرياً يتطلب من الأسرة الانتقال من أسلوب الإملاء والتوجيه المباشر إلى منطق الحوار والاحتواء الذكي.
تم تداول مقطع في وسائل التواصل الاجتماعي لإحدى الأمهات تطلب استشارة، وفي صوتها مزيجٌ شجين من الحب والحيرة، وهي تروي قصتها مع ابنتها ذات السبعة عشر عاماً؛ حيث تقول بما معناه: "ابنتي متدينة، تحافظ على صلاتها وصيامها، لكنها في الآونة الأخيرة بدأت تتبنى أفكاراً وآراءً فقهية حول الحجاب والنقاب تختلف عما نشأت عليه وتعلمته في حياتي، وأجد صعوبة بالغة في تقبل ذلك، وبدأت الخلافات تتسلل بيننا".
هذه الاستشارة ليست مجرد حالة فردية، بل هي نافذة نطل منها على واقع يعيشه الكثير من الآباء والأمهات اليوم؛ واقع يتطلب منا إعادة النظر في مفاهيم التربية والاحتواء في زمن يتسارع فيه وعي الشباب وتتعدد فيه مصادر معرفتهم.
وهنا نقول لهذه الأم -ولكل أم- إن سن السابعة عشرة يمثل ذروة تشكل الهوية والبحث عن الذات لدى المراهق، وحين ترين ابنتك تتمسك بصلاتها وقيمها وتستند إلى رؤى فقهية مُعتبرة شرعاً تتسم بالتيسير، فهذا دليل إيجابي على نضج إيماني واعٍ وليس تمثيلاً للتمرد، والاستراتيجية النفسية الأولى هنا تبدأ من الفصل بين القيم والأدوات؛ فالإيمان والفضيلة هما الجوهر والعدسة الثابتة، أما اجتهادات التيسير فهي مساحات مرنة تسع الجميع.
تحتاج الأم في هذه المرحلة إلى التحول من منطق "السلطة والإملاء" إلى "الحوار والشراكة"، إن الاحتواء النفسي يعني الاستماع الفعّال لأفكار الابنة دون إطلاق أحكام مسبقة ولا الإبحار في خيالات غير منطقية، ومنحها الدعم العاطفي قبل التوجيه الفكري، فالمراهقون يخوضون معارك إثبات الذات، وأسرع طريق لخسارتهم هو تحويل الخلاف الفقهي أو الفكري إلى معركة شخصية على الطاعة وكسر الإرادة.
عزيزتي الأم؛ لكي تجنبي بيتك الخلافات ينبغي بناء الاحترام المتبادل للاختيارات، إن احترام فكر ابنتك لا يعني بالضرورة اتفاقك التام مع كل ما تتبناه، بل يعني إشعارها بأن قيمتها لديك ومحبتك لها غير مشروطة بمدى تطابق آرائها مع آرائك. حين تدرك الفتاة أن أمها تلجأ إلى النقاش الهادئ وتستوعب مساحة "التيسير الشرعي" دون إشعارات ذنب متواصلة، ستشعر بالأمان النفسي، وسيكون بيتك هو ملاذها الأول بدلاً من البحث عن أفكار متطرفة أو بيئات بديلة تفهمها.
أما الدور الأشد خطورة وأهمية للأم، فهو الحماية الاجتماعية والسلوكية؛ فقد تواجه الفتاة انتقادات حادة أو تجريحاً من بعض أفراد الأسرة الممتدة الذين لا يتفهمون طبيعة هذه الآراء الدينية المشروعة، هنا يجب أن تكون الأم خط الدفاع الأول وصمام الأمان؛ لا تسمحي لأحد بإيذاء ابنتك عاطفياً أو التقليل من تدينها وشخصيتها، إن حمايتك لابنتك أمام الآخرين ووضع حدود صارمة لأي تدخل خارجي يمس كرامتها يعزز ثقتها بك وبنفسها، ويجعلها تشعر أن بيتها سور منيع يحميها من قسوة الأحكام النمطية.
إن فهم احتياجات الجيل الجديد يتطلب منا استيعاب أنهم يعيشون في عالم مفتوح ومتغير، وأن تنوع الآراء واختيار التيسير الذي لا يترتب عليه ضررٌ متحقق هو حق مشروع ينبغي احترامه، واجبنا ليس صياغة الأبناء على مقاس أفكارنا وتجاربنا القديمة، بل توجيههم ليكونوا أفراداً صالحين، واعين، ومتمسكين بثوابتهم وأخلاقهم.. يقول عالم النفس كارل روجرز: "إن التقبل غير المشروط للإنسان هو التربة الوحيدة التي يمكن للذات أن تنمو فيها وتزهر بشكل صحي وسليم".

