تشكو لغتنا العربية من معوقات أساسية، لا يلحظها إلا المتخصصون، ولا نلتفت إليها غالباً، ومع هذا تمتاز، بنظر البعض، بالخصائص التالية:
1 – نظام الجذر الثلاثي؛ فمعظم كلمات العربية تنبثق من جذر ثلاثي الأحرف، مثل «ك.ت.ب»، وهو جذر كتب، كتاب، كاتب، مكتبة، كتابة، مكتوب. أو «ع.ل.م» وهو جذر علم، عالم، معلم، علوم، تعليم، وهذا يجعلها لغة قابلة للتوسّع النظري بشكل لا نهائي، كما تتشارك معها في هذه الميزة العبرية والسريانية الآرامية، لغة المسيح، والأمهرية، والتيغرية، لغتا اثيوبيا، والمالطية، وغيرها، خاصة القديمة جداً. أما اللغات غير السامية، مثل الإنكليزية، الفارسية، والتركية، أو الكردية، واللغات الأوروبية، فإنها لا تعرف قاعدة الجذر الثلاثي، بل تعتمد على نظام إضافة بضعة حروف قبلها أو بعدها لتغيير المعنى، وليس على صياغة كلمة جديدة حول جذر صامت ثابت.
2 – قدرتها على توليد كلمات جديدة، ويسمى هذا الاشتقاق، أي خلق كلمات جديدة من جذور قديمة، مما يعني أن العربية تستطيع، «نظرياً»، استيعاب المفاهيم الجديدة دون استعارة.
3 – المنطق الصرفي، أو أوزان الكلمات، مثل «فَعَلَ، فاعل، مفعول، فَعّال»، نظام رياضي دقيق يمكن التنبؤ من خلاله بمعنى الكلمة قبل سماعها.
4 – الترادف والاتساع الدلالي، وهذا سبب ثراء اللغة، إذْ إن للأسد مثلاً 50 اسماً، كما أن هناك عشرات الأسماء للماء والرمل والتمرة، وهذا يمنح اللغة دقة وصفية نادرة.
لا يكفي الإقرار بحاجة اللغة للتطوير، فهناك معوقات تمنع ذلك؛ منها تعدد ثقافات الشعوب العربية، وتعدد لهجاتها، كما يصعب اشتقاق كلمات التقنيات والعلوم الحديثة، وبالتالي تتم استعارتها من لغاتها، فمن الاستحالة مثلاً خلق أو اشتقاق كلمة، من العربية، تعطي معنى software، كما أن هناك عوائق نفسية، ودينية وسياسية، تمنع تطوير اللغة، بخلاف غياب الجهة، التي تمتلك هذا الحق، أو لديها الصلاحية والقدرة على سد الفجوة بين الفصحى والعامية، أو تسهيل عملية التعريب، التي تشكو من الضعف، وغياب التوحيد الرقمي، والتردد في تطبيق تدريس العربية من خلال الأدب والحياة اليومية، وليس من خلال القواعد الجافة. فالعربية ليست لغة دين فقط، بل لغة علم وإبداع.
ومن كل ذلك نرى أن من شبه المستحيل تقريباً اتفاق حتى ثلاث دول عربية على ما يعنيه «تطوير العربية»، دع عنك القيام بالمهمة. وبخلاف ذلك ستبقى اللغة تراوح مكانها، لصعوبتها وشبه استحالة تعليمها للغير بسهولة.
* * *
نجد أيضاً أن اللغة الرسمية للولايات المتحدة هي الإنكليزية، إلا أن هناك فروقات عديدة بين لغتهم والإنكليزية الأم، سواء بطريقة النطق، أو التهجئة. فمثلاً كلمة لون تكتب في أمريكا color، بينما في الإنكليزية Colour، وكذلك كلمة تنظيم Organize، بينما أصلها organise، وجاءت هذه الفروقات نتيجة الهجرة، وتقنيات الطباعة، والتاريخ الاستعماري، وجهود رجلٍ أصرّ على تبسيط إنكليزية أمريكا.
في صميم هذا الجدل، برز سؤالٌ حول ما إذا كان ينبغي أن تعكس الكتابة الإملائية التقاليد والتاريخ، أم أن تُعطي الأولوية للوضوح والكفاءة، وهذه هي بالفعل المعضلة التي نواجهها، حيث لا جهة أو دولة ترغب في الإجابة على السؤال. وما نحن بحاجة إليه هو قيام عدد من الدول العربية، التي لها ثقل ثقافي وديني ومادي كبير، مثل السعودية ومصر والمغرب، بالتصدي لهذا الأمر، وإعادة الشباب للعربية، لتكون أكثر انسجاماً مع العصر.
أحمد الصراف

