حملت مقابلة معالي الأستاذ مازن بن تركي السديري، رئيس مجلس هيئة السوق المالية، مع «العربية Business» بشائر بإصلاحات تلامس أبرز شواغل المستثمرين بمختلف فئاتهم وثقافاتهم الاستثمارية، وتضع تعزيز عدالة التعاملات واستعادة الثقة في السوق في مقدمة الأولويات، بما يسهم في زيادة جاذبيتها للاستثمار وتعزيز مستويات السيولة فيها.
ولعل أبرز ما استوقفني في المقابلة هو وضوح تشخيص التحديات التي تستدعي الإصلاح؛ فقد أشار السديري إلى تراجع عدد من الأسهم، وجودة بعض الطروحات الأولية، وعزوف المستثمرين الأفراد. وهذه ملفات تتصل مباشرة بثقة المتعاملين، وتستحق أن تكون في مقدمة المعالجة. كما أن الإعلان عن خطة لإطلاق الإصلاحات خلال تسعين يومًا يمنح هذه التوجهات إطارًا زمنيًا يمكن متابعته، مع الانتباه كوجهة نظر إلى أن المدة المعلنة تتعلق بإطلاق الإصلاحات، أما نتائجها فستتضح مع التطبيق.
وفي ملف الطروحات الأولية، أعادت المقابلة النظر في الاعتماد على عدد مرات التغطية معيارًا لنجاح الاكتتاب؛ فالعبرة بجودة الطلبات ومصداقيتها ومدى تعبيرها عن رغبة استثمارية حقيقية. وقد أوضح رئيس الهيئة أن ارتفاع التغطية وحده لا يكفي للحكم على نجاح الطرح، وأن أداء السهم بعد الإدراج يمثل مؤشرًا مهمًا لتقييمه. وفي تقديري، تكمن أهمية هذا التوجه في ربط نجاح الاكتتاب بتجربة المستثمر بوصفه شريكًا في الشركة، وبما تحققه من نتائج، ومستوى إفصاحها، ومدى وفائها بالتوقعات التي قدمتها عند الطرح.
ويتصل بذلك توجه الهيئة إلى إعادة تحديد مسؤوليات الأطراف المشاركة في عمليات الطرح والإدراج، بما يشمل الشركات المصدرة والجهات الاستشارية ومديري الاكتتاب. وقد أشار السديري إلى أن الهيئة أجرت تحقيقات في عدد من الطروحات السابقة، مؤكدًا سعيها إلى أن تكون مصدرًا للثقة، وأن يتركز دورها على التنظيم وتحقيق التوازن بين الأطراف. وفي تقديري، يعكس هذا التوجه أهمية وضوح المسؤوليات؛ فتحديد واجبات كل طرف يهيئ لمساءلة أكثر فاعلية، ويسهم في حماية حقوق المستثمرين وتعزيز الثقة في إجراءات الطرح والإدراج.
أما عن مشاركة الأفراد في السوق، فقد كشفت المقابلة عن توجه لرفع حصتهم الأساسية في الطروحات إلى 30%، مع إمكان اختلاف النسبة في الاكتتابات الكبيرة، وهو توجه ينتظر اتضاح تفاصيل تطبيقه. وفي تقديري، تكتسب زيادة التخصيص قيمتها حين تقترن بجودة الشركات المطروحة ووضوح إفصاحاتها، بما يمكّن المستثمر الفرد من اتخاذ قرار واعٍ وتقدير المخاطر. كما أن هذا التوجه قد يسهم في توسيع قاعدة المساهمين وتشجيع الأفراد على الاستثمار، بإتاحة فرص أكبر للمشاركة في ملكية الشركات والاستفادة من نموها، بما يعزز دور السوق في تنمية مدخرات الأفراد على المدى الطويل.
وفي جانب أدوات التداول، تناول السديري البيع على المكشوف، مشيرًا إلى فائدته للسوق عند استخدامه بصورة سليمة، وإلى العمل على ضوابط جديدة له بعد البدء بتنظيم إقراض الأسهم. كما تحدث عن مراقبة تداولات الخوارزميات والتحقق من التزامها بالأنظمة بما يحافظ على العدالة بين المستثمرين. ويمكن قراءة هذين المحورين باعتبارهما محاولة للموازنة بين تطوير أدوات السوق ومراقبة أثر استخدامها؛ فنجاح الأداة يرتبط بسلامة الممارسة ووضوح قواعدها وقدرة التنظيم على معالجة التجاوزات.
وامتد الحديث إلى جاذبية السوق للمستثمر الأجنبي، إذ كشف السديري عن مناقشات مع الجهات الحكومية والمنظمين القطاعيين بشأن نسب الملكية المسموح بها. وهذا ملف ما زال قيد البحث، ولا يصح تقديمه باعتباره قرارًا نهائيًا بزيادة النسب. أما دلالته، فيمكن أن تتمثل في السعي إلى توسيع قاعدة المستثمرين، ضمن تنسيق يراعي طبيعة القطاعات ومتطلباتها.
وفي ملف الحوكمة والشفافية، أشار إلى إلزام الشركات المدرجة بعقد لقائين سنويين لمناقشة النتائج المالية مع المستثمرين، موضحًا كذلك أن وضع معايير لمكافآت أعضاء مجالس الإدارات لا يدخل ضمن اختصاص الهيئة. وأرى أن لقاءات النتائج يمكن أن تمنح المساهم فرصة أفضل لفهم أداء الشركة ومناقشة إدارتها، على أن تُقاس فائدتها بجودة المعلومات والإجابات التي تقدمها، ومدى مساعدتها للمستثمر على اتخاذ قراره.
ومن الرسائل الجديرة بالتوقف عندها؛ موقفه من توجه المستثمرين المحليين إلى الأسواق العالمية؛ إذ أكد حرية المستثمر في اختيار وجهته، وربط الحفاظ على السيولة بتعزيز تنافسية السوق السعودية والثقة بها. وهذه رؤية تضع أمام السوق مسؤولية مستمرة لتحسين جاذبيتها، من خلال جودة الفرص ووضوح الأنظمة وكفاءة الخدمات. فالمستثمر يقارن بين البدائل المتاحة، ويمنح ثقته للبيئة التي يجد فيها ما يخدم أهدافه.
وفي الختام، يستحق معالي الأستاذ مازن السديري الإشادة على مبادرته إلى الظهور الإعلامي في وقت مبكر من توليه المسؤولية، وما اتسم به حديثه من شفافية وموضوعية في عرض تحديات السوق وأولويات معالجتها دون البعث برسالة تخويف وتشاؤم، ليعكس بذلك وضوح الرؤية والدراية بأحوال السوق التي تستند إلى خبراته المتراكمة، بما أسهم في جاهزيته للمبادرة إلى الإصلاح منذ بداية توليه المسؤولية.
كما أن الإعلان عن خطة لإطلاق إصلاحات واسعة خلال مدة لا تتجاوز تسعين يومًا يبعث على التفاؤل، ويؤكد حرصه على ترجمة التوجهات إلى خطوات عملية. وهي بداية مشجعة نأمل أن تتكامل فيها جهود الهيئة وأصحاب العلاقة، وأن تثمر سوقًا أكثر عدالة وكفاءة وجاذبية، بما يعزز ثقة المستثمرين ويدعم دورها في خدمة الاقتصاد الوطني وتنمية مدخرات المواطنين.

