: آخر تحديث

الأخضر على عرش الخليج

3
4
3

في اليوم الوطني، لم يكن تتويج المنتخب السعودي بكأس الخليج الـ 27 مجرد انتصار في مباراة نهائية، بل كان احتفالاً استثنائياً يكتمل بوصول «الأخضر» إلى عرش الخليج، وتأكيداً جديداً على أنه يملك شخصية البطل ويعرف كيف يحضر في المواعيد الكبرى. أنهت السعودية البطولة بفوز مستحق على الإمارات بهدفين دون رد، بعدما قدمت طوال المنافسات مستويات ثابتة أكدت أن المنتخب لا يعتمد على لحظة عابرة أو مباراة واحدة، بل يملك قدرة حقيقية على التعامل مع مختلف الظروف، والوصول إلى الحسم في الوقت المناسب. منذ دور المجموعات، ظهر المنتخب السعودي بصورة واثقة؛ فحقق الفوز في مبارياته الثلاث، ثم تجاوز المنتخب القطري بركلات الترجيح في نصف النهائي، قبل أن يحسم النهائي أمام الإمارات بهدفين نظيفين. كانت رحلة تعكس شخصية منتخب يعرف كيف ينافس، وكيف يتعامل مع المباريات الكبيرة، وكيف يحافظ على تركيزه حتى صافرة النهاية.

وتأتي قيمة هذا اللقب من توقيته أيضاً؛ فالبطولة تمثل محطة مهمة قبل الاستحقاقات الآسيوية المقبلة ومراحل جديدة من تصفيات كأس العالم. لذلك لم يكن الإنجاز السعودي مجرد مناسبة خليجية، بل فرصة لتعزيز الثقة، واختبار العناصر، ومنح الجهاز الفني مساحة أوسع للتعرف على إمكانات لاعبيه. خرج «الأخضر» من البطولة برسالة واضحة: المنتخب السعودي حاضر، وقادر على المنافسة، ولا يزال رقماً صعباً في البطولات الخليجية والآسيوية.

لكن خليجي 27 لم يقدم دروساً للسعودية وحدها، بل وضع أمام بقية منتخبات المنطقة أسئلة لا تحتمل التأجيل، وفي مقدمتها منتخب الكويت.

خرج «الأزرق» من الدور التمهيدي من دون تحقيق أي فوز، بعد خسارته أمام السعودية والعراق وعمان، في مشاركة لم تكن بحجم الطموحات التي سبقت البطولة. غير أن الخروج المبكر لا ينبغي أن يكون نهاية القصة، بل بداية لمراجعة جادة وهادئة. المسألة لا ترتبط بمباراة أو مدرب أو لاعب بعينه، وإنما تحتاج إلى رؤية أشمل للكرة الكويتية؛ تبدأ من طريقة إعداد المنتخب، وتمر باختيار اللاعبين، وتصل إلى بناء جيل قادر على المنافسة لسنوات، لا في بطولة واحدة فقط.

لقد تغيرت كرة القدم، وأصبحت أكثر سرعة وقوة وتنظيماً، ولم تعد المنافسة الخليجية تسمح بالاعتماد على التاريخ وحده. صحيح أن الكويت تملك تاريخاً كبيراً في كأس الخليج، وهي صاحبة الرقم القياسي في عدد الألقاب، لكن الأمجاد السابقة تحتاج دائماً إلى مشروع حاضر يحميها ويعيد إنتاجها.

وهنا يكمن الدرس الأهم: النتائج السريعة مهمة، لكنها لا تكفي لصناعة منتخب مستدام. المطلوب مشروع رياضي واضح، يبدأ من القاعدة، ويمنح المواهب فرصة التطور، ويضع المنتخب في مسار ثابت بعيداً عن الحلول المؤقتة. ومع ذلك، فإن قراءة المشاركة الكويتية لا يجب أن تتوقف عند كرة القدم. ففي الوقت الذي خرج فيه منتخبها من خليجي 27 دون فوز، كانت الرياضة الكويتية تسجل حضوراً لافتاً في دورة الألعاب الآسيوية العشرين «آيتشي - ناغويا 2026» في اليابان.

وعادت الكويت من الآسياد بحصيلة بلغت تسع ميداليات، بينها أربع ذهبيات وفضية وأربع برونزيات، خلال مشاركة 120 رياضياً ورياضية في 16 لعبة مختلفة. وجاءت الرماية والكاراتيه في صدارة الإنجازات، في نتائج تؤكد أن الرياضة الكويتية تملك مواهب وقدرات تتجاوز حدود كرة القدم. وهذا ربما هو الدرس الأكثر أهمية من المشاركة الكويتية في اليابان: الرياضة الكويتية ليست كرة قدم فقط. فعندما تتوافر الرعاية والإعداد والاهتمام، يستطيع الرياضي الكويتي الوصول إلى منصات التتويج في أكبر المحافل القارية. لذلك، فإن المطلوب في المرحلة المقبلة هو قراءة الصورة كاملة، لا اختزال الرياضة الكويتية في نتيجة منتخب كرة القدم وحدها. فخليجي 27 انتهى بتتويج السعودية، وأثبت أن «الأخضر» لا يزال رقماً صعباً، لكنه كشف في الوقت نفسه أن الطريق أمام بقية المنتخبات الخليجية يحتاج إلى عمل أكبر ورؤية أكثر وضوحاً.

أما الكويت، فعليها أن تتعامل مع خروجها المبكر باعتباره فرصة للمراجعة، لا سبباً للإحباط. فالاستحقاقات المقبلة أهم، والكرة الكويتية تحتاج إلى مشروع يعيد المنتخب إلى مكانته، بالتوازي مع دعم الألعاب الأخرى التي أثبتت في اليابان أن الكويت قادرة على صناعة الأبطال.

انتهى كأس الخليج، لكن الدروس بدأت الآن. السعودية خرجت بالكأس، فيما خرجت بقية المنتخبات بأسئلة كثيرة؛ وستكون الإجابات عنها هي الفارق الحقيقي قبل الاستحقاقات الآسيوية والعالمية المقبلة.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد