: آخر تحديث

غادر إلى المكان الصحيح

4
3
4

حسين الراوي

إذا كنت في المكان غير المناسب فلن يشفع لك إخلاصك وإتقانك ولا أفضل ما تقدّمه، أما في المكان الذي يليق بك فحضورك وحده يكفي ليُحتفى بك.

ليس كل تقصيرٍ في التقدير دليلَ نقصٍ فيك، ولا كل تجاهلٍ يعني أنك أقلّ مما تظن. أحياناً يكون الخلل في الميزان ذاته، لا في القيمة التي تُوزن به. فكم من جوهرةٍ ظلت منسية لأنها وُضعت في مكانٍ لا يُري فيه بريقها، وكم من إنسانٍ تأخر عنه التكريم لأنه كان بين من لا يُحسنون تقدير التميّز. لذلك، لا تُرهق نفسك بمحاولات إثبات وجودك لمن لا يرى، بل ابحث عن المساحة التي تُفهم فيها دون عناء، وتُقدَّر فيها دون مبالغة.

إن لم يُقدّرك المكان، غادِر. لا تبرّر، ولا تُطِل البقاء، ولا تُهدر طاقتك في إقناع من لا يرى. المشكلة ليست دائماً فيك، بل في بيئة لا تناسبك. اختصر الطريق: ابحث عن مكان يعرف قيمتك من دون شرح، فالحياة أقصر من أن تُقضى في محاولات إثباتٍ لا تنتهي.

قال بيل غيتس: “كنت محظوظًا لأنني كنت في المكان المناسب في الوقت المناسب، لكن كثيرين كانوا أيضاً في المكان نفسه. الفرق أنني اتخذت خطوة وفعلت شيئاً”. ويقصد غيتس، أن المكان وحده لا يكفي، لكنه قد يكون عاملاً حاسماً عندما يقترن بالفعل.

كنت أكتب كثيراً في مكانٍ لا يقرأ أهله، ولا يهتمون بالكتب والأدب والثقافة، فكان جهدي يضيع بينهم بلا تقدير، كما تطير البالونات في الهواء ولا تجد من يمسك بها. وحينما اخترت الانتقال إلى مكانٍ آخر يشبهني، ويشبهني أهله في الفكر والاهتمامات، وجدت الكثير من التقدير، وأصبحت أكتب أكثر، وأضيء بشكل أجمل، وكانوا دائماً منبهرين بصدق بما أقدمه.

غادر إلى حيث يُقدَّر حضورك، لا حيث تُضطر إلى محاولات إثباته في مكان لا يعرف أساساً قيمتك.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد