: آخر تحديث

هل نقود الذكاء الاصطناعي.. أم نسمح له أن يقودنا؟

1
1
1

سارا القرني

في كل مرحلة من تاريخ الإنسان ظهرت أداة غيّرت شكل الحياة، لكن الذكاء الاصطناعي لا يشبه أي أداة سابقة؛ لأنه لا يكتفي بتنفيذ ما نطلبه، بل بدأ يكتب، ويحلل، ويقترح، ويرسم، ويختصر، ويجيب، حتى أصبح البعض يسلمه أصعب مهمة يمتلكها الإنسان: التفكير. المشكلة ليست في التقنية، بل في الطريقة التي نتعامل بها معها. فالسكين قد يقطع الخبز، وقد يجرح اليد، والسيارة قد تختصر الطريق، وقد تتحول إلى خطر إذا قادها من لا يعرف كيف يسيطر عليها. وكذلك الذكاء الاصطناعي؛ فرصة هائلة حين يكون في يد واعية، وخطر صامت حين يتحول من مساعد إلى بديل عن العقل.

اليوم، أصبح من السهل أن نكتب رسالة بلا شعور، ونعد تقريرًا بلا معرفة، وننتج صورة بلا موهبة، ونقدم رأيًا لم نفكر فيه أصلًا. وهذا هو السؤال المقلق: هل نحن نستخدم الذكاء الاصطناعي لنصبح أكثر ذكاء، أم نستخدمه حتى لا نفكر؟

في السعودية، حيث تتسارع مشاريع التحول الرقمي، وتكبر الطموحات في الاقتصاد والتقنية والابتكار، فإن الفرصة أمامنا استثنائية. نحن لا نقف على هامش المستقبل، بل ندخل إليه بخطوات واسعة. لكن النجاح الحقيقي لن يُقاس بعدد التطبيقات والمنصات، بل بقدرتنا على صناعة إنسان يعرف كيف يستخدم التقنية من دون أن يفقد صوته، ووعيه، ومهارته، وقدرته على الحكم. فالخطر ليس أن يأخذ الذكاء الاصطناعي وظائف البشر فقط، بل أن يأخذ منهم الرغبة في التعلم. أن يصبح الطالب باحثًا عن إجابة جاهزة بدل أن يسأل، والموظف ناقلًا للنص بدل أن يحلل، والكاتب جامعًا للكلمات بدل أن يعيش الفكرة. عندها لن نخسر بعض المهن فحسب، بل قد نخسر قيمة العقل نفسه.

ومع ذلك، لا يمكن أن نتعامل مع التقنية بالخوف أو الرفض. من يرفضها سيجد نفسه خارج العصر، ومن يعبدها سيفقد نفسه داخله. الطريق الأكثر حكمة هو أن نضعها في مكانها الصحيح: أداة توسع قدراتنا، لا عقلًا مستعارًا نعيش به.

نحتاج اليوم إلى تعليم جديد لا يكتفي بتلقين المعلومات، لأن المعلومات أصبحت متاحة خلال ثوانٍ. نحتاج إلى تعليم يعلّم الإنسان كيف يسأل، وكيف يشك، وكيف يتحقق، وكيف يبتكر، وكيف يفرّق بين الحقيقة والمعلومة المصنوعة بإتقان. فالمستقبل لن يكون للأكثر حفظًا، بل للأكثر فهمًا.

كما نحتاج إلى أخلاقيات واضحة؛ لأن التقنية التي تستطيع تقليد الصوت والصورة والكتابة قادرة أيضًا على تشويه السمعة، وصناعة الأكاذيب، وسرقة الجهد، والتلاعب بالوعي. وما لم يسبق القانونُ سرعةَ التقنية، فإننا سنجد أنفسنا نلاحق أضرارًا كان يمكن منعها منذ البداية.

المملكة تملك اليوم فرصة أن تقدم نموذجًا مختلفًا: دولة تتقدم تقنيًا من دون أن تتخلى عن الإنسان، وتبني اقتصادًا رقميًا من دون أن تجعل الإنسان رقمًا، وتستثمر في الذكاء الاصطناعي مع الاستثمار في الذكاء البشري بالقدر نفسه.

فالنهضة لا تصنعها الأجهزة وحدها، ولا المراكز العملاقة، ولا الكلمات الكبيرة. النهضة تبدأ حين يعرف الإنسان قيمته، ويستخدم الأدوات ليضاعف أثره، لا ليختبئ خلفها. وحين تكون التقنية امتدادًا لعقله، لا بديلًا عنه.

السؤال لم يعد: هل سيغير الذكاء الاصطناعي العالم؟ لقد بدأ بتغييره بالفعل. السؤال الحقيقي هو: عندما يكتمل هذا التغيير، هل سنكون نحن من رسم ملامحه، أم سنكتشف أننا تركناه يرسمنا كما يريد؟


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد