يجب إدانة العدوان الإسرائيلي، ليس فقط لأنه لا يحق لأي دولة ضم أراضٍ أجنبية، بل لأن كل توسع هو بمنرلة تجربة لمعرفة مدى تسامح العالم مع العدوان. وقد وصف الصحافي الأمريكي ستون اللاجئين الذين يحاصرون فلسطين، والذين يبلغ عددهم مئات الآلاف، أخيرًا، بأنهم «عبء ثقيل على كاهل اليهودية العالمية». ويعيش العديد منهم في ظروف صعبة في مستوطنات مؤقتة. وتكمن مأساتهم في أن أرضهم «مُنحت» من قِبل قوة أجنبية لشعب آخر لإقامة دولة جديدة عليها، وكانت النتيجة تشريد مئات الآلاف من الأبرياء تشريداً دائماً. ومع كل صراع جديد، يتزايد عددهم. إلى متى سيظل العالم مستعداً لتحمّل هذه القسوة المفرطة؟ من الواضح تماماً أن للاجئين كل الحق في الوطن الذي أُجبروا على مغادرته، وأن إنكار هذا الحق هو جوهر الصراع المستمر. لا يقبل أي شعب في العالم طرده جماعياً من وطنه؛ فكيف يُعقل أن يُجبر الشعب الفلسطيني على قبول عقوبة لا يقبلها أحد سواه؟ إن توطين اللاجئين بشكل دائم وعادل في وطنهم عنصر أساسي في أي تسوية حقيقية في الشرق الأوسط.
كثيراً ما يُقال لنا إنه يجب علينا التعاطف مع إسرائيل بسبب معاناة اليهود في أوروبا على يد النازيين. لا أرى في هذا الاقتراح أي مبرر لإطالة أمد المعاناة. لا يمكن التغاضي عما تفعله إسرائيل اليوم، واستحضار فظائع الماضي لتبرير فظائع الحاضر، هذا نفاقٌ فاضح. إسرائيل لا تكتفي بإدانة عدد هائل من اللاجئين بالبؤس، ولا بإدانة العديد من العرب تحت الاحتلال بالحكم العسكري فحسب، بل تدين أيضاً الدول العربية التي خرجت لتوها من براثن الاستعمار، بالاستمرار في الفقر، إذ تُعطى الأولوية للمطالب العسكرية على حساب التنمية الوطنية!!
* * *
هذا ما كتبه قبل سبعين عاما الفيلسوف البريطاني والمفكر الحائز جائزة نوبل في الرياضيات، برتراند راسل، (1872 - 1970). والنص أعلاه يبين كم كان فكره ثاقبا. وبالرغم من كل منجزات راسل في مختلف ميادين العلوم، فإنه كان مناصرًا قويًا للسلام ومناهضًا للإمبريالية. فقد عارض الحرب العالمية الأولى وسُجن بسبب معتقداته. ورغم أنه اعتبر لاحقًا الحرب ضد ألمانيا النازية شرًا لا بد منه، فإنه انتقد نظام ستالين وأدان التورط في حرب فيتنام. كما كان من أشدّ الداعين إلى نزع السلاح النووي. وفي عام 1950، مُنح جائزة نوبل في الأدب تقديرًا لكتاباته المتنوعة والمهمة التي دافعت عن المثل الإنسانية وحرية الفكر.
غريب أن نجد الآلاف من الفنانين العالميين، والأدباء والعلماء الغربيين، من أمثال برتراند راسل، يقفون مع حق الشعب الفلسطيني، ولا يوجد بين نسبة كبيرة من قومنا، مثل هذا الفهم والتعاطف، مع صاحب الحق، المظلوم. لا شك أن لغياب الثقافة دوراً في ذلك.
أحمد الصراف

