: آخر تحديث

الوصول للقمر لم يعد خبرًا

4
4
2

حين أعلنت ناسا عن رحلة أبولو 11 عام 1969 إلى القمر، توقف العالم.. وتهافت الناس يبحثون عن الأخبار.. وراحوا يعبرون عن دهشتهم بين مصدق ومكذب؛ وانغرس في ذاكرتهم ليس فقط كأولوية خارقة، بل كحدث هز حدود المعرفة لديهم، حيث كان الحدث أكبر من أن يستوعبه العقل البشري.

السيناريو نفسه يتكرر اليوم، فطاقم (أرتميس 2) الذي أقلع في الأول من أبريل الجاري، وطاف حول القمر للمرة الأولى منذ أكثر من خمسة عقود، عاد إلى الأرض دون انتباه يوازي ذاك الانتباه الذي حظيت به أبولو 11؛ عدا ما يعترض صدفة في بعض تطبيقات التواصل الاجتماعي، حاله حال أخبار السياسة والطقس.

وربما نتفق أن المشكلة ليست في الخبر والإنجاز العالمي الكبير؛ بل في العالم الذي يتلقاه؛ فنحن نعيش في زمن لم تعد فيه ضخامة الحدث هي معيار الاهتمام به.. فالمعيار الوحيد اليوم هو: هل يمسّني هذا شخصياً؟ هل يرفع سعر البنزين؟ هل يؤثر على راتبي؟ هل يقلّص إجازتي؟ إن كانت الإجابة لا، فالخبر -مهما كان- لن يتجاوز ثوانيَ من الانتباه قبل أن تبتلعه خوارزمية تعرف ما يريده المتلقي.

لم تعد المشكلة في غياب الأحداث، بل في فرط حضورها حتى فقدت دهشتها. فنحن لا نفتقد الأخبار الكبرى، بل نغرق فيها إلى حدّ تتساوى فيه تأثيراتها ودهشتها.. كل يوم "حدث تاريخي" و"لحظة مفصلية"، حتى لم يعد لأي منها وزن حقيقي.. فما كان يهزّ العالم ويبقى في صدارة التداول أياماً وربما أسابيع، أصبح اليوم يمرّ كعنوان عابر، لا لأنه غير مهم، بل لأن كل شيء أصبح كبيراً بالقدر نفسه؛ حتى اختفت الدهشة، وتعلّم العقل أن يتجاوز نحو المزيد لا أن يتفاعل.

ربما نحن الجيل الأكثر اطلاعاً في التاريخ والأقل تأثراً وتفاعلاً.. كان الإنسان قديماً يجهل الكثير فيتوقف أمام القليل الذي يعلمه؛ أما اليوم فيعلم كل شيء دون أن يتوقف أمام أي شيء.. وهذا هو الثمن الباهظ الذي ندفعه في عصر التواصل الاجتماعي.. إذ كان الناس يختلفون في تفسير الحدث، لكنهم يشتركون في الاهتمام به ومتابعة تطوراته.. أما اليوم، فحتى "الحدث" نفسه لم يعد واحداً؛ فما تراه أنت عن العالم ليس ما يراه غيرك، فلكلٍ منا نسخته الخاصة التي تصوغها خوارزميات تعرف مخاوفه واهتماماته وميوله.. وهكذا لم نفقد الدهشة فقط، بل فقدنا أيضاً "اللحظة المشتركة" التي كانت تمنح الحدث معناه الإنساني.

حين ضربت أميركا إيران نهاية فبراير الماضي، قُتل آلاف المدنيين، ودُمّرت مستشفيات ومواقع مدنية كثيرة؛ ولم يكترث الشارع الأميركي كثيراً. لكن حين تجاوز سعر الغالون 4 دولارات للمرة الأولى منذ سنوات، وارتفعت الأسعار، تحوّل الشرق الأوسط فجأة من خبر في نشرة المساء إلى أزمة داخلية تُناقَش في كل مكان؛ من موائد العشاء حتى أروقة الكونغرس، واندلعت الاحتجاجات في الولايات الخمسين، فيما أعلن 58 ٪؜ من الأميركيين رفضهم للحرب، لكن الناخب الأميركي للأسف لم يطالب بوقفها حزناً على القتلى، بل خوفاً على محفظته.

هذه ليست قسوة أو اختلالاً في الطبيعة البشرية، بل نتيجة منطقية لعالم يُنتج من الأحداث والخيارات أكثر مما تستطيع أي طاقة بشرية استيعابه، فحين يتسابق ألف خبر على ثانية واحدة من انتباهك، تنتصر غريزة البقاء وتُقدّم ما يخصّك على ما يخص العالم.

وصول الإنسان إلى حدود القمر اليوم ليس أقل دهشةً من وصوله إليه قبل خمسة عقود. الفارق أن عام 1969 كان للحدث فضاء يملأه بلا منافس، وكان لدى المتلقي وقت يستوعب فيه ما يرى ويقرأ.. أما اليوم، فالفضاء يعجّ بآلاف الخيارات، ولن يستحوذ على اهتمام المتلقي إلا ما تختاره له خوارزمية حياته الخاصة.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد