: آخر تحديث

أزمة الوعي العربي

4
5
5

في الأزمنة التي يتسارع فيها الإيقاع تتبدل مواقع الفاعلين بسرعة لافتة، وتتحول الأدوار من الهامش إلى القلب دون تمهيد طويل، وتغدو الأزمات معيارًا كاشفًا لحجم الحضور الحقيقي لكل مؤسسة، حيث يتراجع وزن القول أمام معيار الإنجاز، وفي هذا السياق تتقدم جامعة الدول العربية داخل مشهد يعيد طرح سؤال الدور وحدوده، وقدرته على ملامسة واقع يتغير دون توقف.

ليس مشروع الإصلاح في جامعة الدول العربية فكرة طارئة، ولا مطلبًا مستحدثًا، وإنما مسار طُرح في محطات متعددة، غير أن الفارق ظل قائمًا بين الطرح والتحقق، حيث برزت الحاجة إليه بوضوح مع تصاعد التحولات الإقليمية بعد الربيع العربي، حين انكشفت فجوة الأداء، وظهرت ضرورة تطوير آليات العمل العربي المشترك، ونقل الجامعة من إطار تنسيقي تقليدي إلى مؤسسة أكثر قدرة على التأثير في إدارة الأزمات، غير أن هذا المسار ظل حبيس الطرح، بعيدًا عن الاكتمال في صورته المأمولة.

ومن هنا يبرز سؤال المستقبل بصيغة أكثر مباشرة: إلى أي مدى تستطيع جامعة الدول العربية مواجهة التحديات الراهنة؟ وما موقعها في لحظة تعرضت فيها دول الخليج لاعتداءات إرهابية مباشرة ضمن سياق الحرب مع إيران؟ أسئلة تفتح بابًا أوسع للنظر في طبيعة الدور وحدوده، وفي المسافة بين ما هو قائم وما يُفترض أن يكون.

إن تحديث ميثاق جامعة الدول العربية، وتعزيز صلاحيات الأمانة العامة، وتفعيل آليات فض النزاعات، وإعادة بناء منظومة الأمن العربي، وتحسين آليات اتخاذ القرار، إلى جانب تطوير العمل الاقتصادي والتنموي، تمثل مسارات واضحة لإعادة تشكيل الدور، بما ينقل الجامعة من مؤسسة تُصدر بيانات إلى مؤسسة تُنتج قرارات قابلة للنفاذ.

ومع بداية دورة جديدة بقيادة أمين عام جديد، تبرز فرصة لإعادة طرح مشروع إصلاحي عربي ينطلق من داخل الجامعة، ويمتد أثره إلى الإطار العربي الأوسع، في سياق يعيد بناء الفكرة المؤسسية على أسس أكثر قدرة على التفاعل مع الواقع ومتطلباته.

كما تفرض المرحلة النظر في استحداث قوة عسكرية عربية، أو ما عُرف سابقًا بمقترح «قوة التدخل العربي»، وهو مشروع طُرح ثم تراجع، رغم ما يحمله من إمكانات لإحداث أثر ملموس في أزمات إقليمية متصاعدة، حيث تظهر الحاجة إلى أدوات جماعية تتجاوز حدود التنسيق إلى مستوى الفعل.

وإذا انتقلنا إلى مستوى آخر، فإن دور الأمانة العامة في صناعة الوعي العربي يبدو محدودًا، في ظل تراجع ملموس في مستوى التضامن، سواء على المستوى الرسمي أو الشعبي، وهو ما يفتح تساؤلًا أعمق حول قدرة المؤسسة على الإسهام في بناء إدراك جماعي يعكس حجم التحديات.

وأخيرًا، وفي عالم يتجه إلى إعادة تشكيل نظام دولي جديد ونظام إقليمي موازٍ، يتحدد موقع العالم العربي داخل هذه العملية بقدر حضوره في لحظة البناء، حيث تُصاغ الأدوار وتُوزع الموازين، ومن يغيب عن لحظة التأسيس، يجد نفسه خارج معادلة النتائج.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد