: آخر تحديث

أُمِّية المشاعر

3
3
3

سهوب بغدادي

فيما يعد مفهوم الأمية معروفًا إلا أنه يتوسع كظاهرة مجتمعية بتطور وتوسع آفاق العلم والنطاقات الحية، حيث تبذل الدول شتى الوسائل للحد من تلك الظاهرة الاجتماعية سواء كانت أمية هجائية في إطار الكتابة والقراءة وأروقة التعليم، أو ما يواجهه كبار السن في عصرنا الحالي من أمية رقمية وتقنية، أو أن تكون الأمية ثقافية التي قد تنطلق أو تتقاطع مع الأمية التقنية وتحول بين الشخص وبين فهمه للثقافة الرائجة في مجتمعه، إذ تعد «الميمز» عبارة عن مقولات قصيرة و»ترندات» تنتشر بين فترة وأخرى وتشكل حيزًا من الثقافة السائدة في تلك اللحظة، ولكنني أرى أن من أسوأ أنواع الأمية «أمية المشاعر» كما هو الحال مع الشخص الأمي هجائيًا، يستطيع أن يتحدث ويعبر عما يريد إلا أنه لا يستطيع أن يوصل تلك الفكرة عن طريق الكتابة أو فهم ما يقرأ وإن كان نافعًا لحالته أو يلامس احتياجاته، هكذا يجد الأمي المشاعري نفسه بين فيض من المشاعر الغامرة إلا أنه لا يستطيع أن يحدد ماهيتها أو شكلها أو طريقة التعبير عنها، إن المشاعر الإنسانية معقدة ومركبة وقد تكون مربكةً في كثير من الأحيان، فقد تشعر بأنك سعيد وحزين في ذات الوقت كإحساس الحنين الذي يسرقك إلى نفسك القديمة من زمان بعيد فتشعر بالسعادة وكأنك عدت إلى ذلك الجسد الفتي، فتبتهج فسرعان ما تباغتك روحك المثقلة بالآلام والتحديات والصدمات والمشاعر السلبية والإيجابية التي عاصرتها عقب تلك الفترة، فتجتر معها كل شيء من مشاعر ومشاهد وندم ماضٍ وحاضرٍ لم يغب بعد، لماذا بعض الأمهات يذرفن الدموع عندما ترى صورة قديمة لطفلها الذي تخرج من المدرسة؟ لأنه شعور غامر ومركب ما بين حنين وتعب وكفاح ولحظات سعيدة وضحكات وغرابة خاصة بذلك الطفل دون غيره ونجاح بالتأكيد مما يعني نهاية مرحلة ما، فما السبيل لمعرفة طبقات ذاك الشعور وما سبل التعبير عن الشعور الكلي والجزئي؟ إن العملية تستلزم دراسة ووعي على غرار الدراسة للمدرسة، وقد يبدأ الشخص بمعرفة الظرف الذي هو فيه، إن كان مفرحًا أم العكس، ويقوم بالاستجابة للشعور الأقرب والأنسب للمناسبة أو الحدث، بالتأكيد، لن ينجح الجميع في ذلك ولن تنجح في كل مرة وإن كنت حاصلا على دكتوراه في المشاعر، فالشوق قد يغلبك كثيرًا لذلك الشخص البعيد، وتبقى تتعامل وتحاول وتناور لأجل إرساء المشاعر في مرساها الملائم لطبيعتها، فكل المشاعر جيدة وإن كانت سيئة أو سلبية شريطة أن تتعلم منها ومن أبابها ومسبباتها، والأهم أن نعلم أبناءنا الوعي بالمشاعر والحرص على الجانب العاطفي لأنه أمر في غاية الأهمية في مواطن متعددة من الحياة.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد