في خضمّ التصعيد المتسارع بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، يقف الشرق الأوسط على حافة تحوّل استراتيجي لا يشبه ما قبله، لا بوصفه مواجهة عابرة، بل بوصفه زلزالًا سياسيًا ممتدًا تتبدّل فيه خرائط القوة ببطء شديد واندفاع شديد في آن واحد. فالمشهد الذي بدأ بضربات مركزة، ثم تصاعد إلى قتال كثيف، قبل أن يهدأ جزئيًا بهدن متقطعة لا تنهي شيئًا، تحوّل إلى حالة من التصعيد المفتوح، حيث الحرب لم تتوقف، لكنها أيضًا لم تُحسم. إنها حالة بين الحرب واللا حرب، بين الانفجار والتجميد، بين النار والرماد الساخن. وفي قلب هذا كله يطلّ السؤال الذي لا يغادر الوعي: أين فلسطين من هذا المشهد، وهل يمكن أن تُدفن قضيتها في ضجيج هذا الصراع الأكبر؟
ما يجري اليوم لا ينتمي إلى منطق الحروب الكلاسيكية. نحن أمام صراع مركّب، تتداخل فيه الجبهات والوظائف والأدوار، حيث تتحرك الولايات المتحدة لضبط الإقليم ومنع انفلاته، وتتعامل إسرائيل مع اللحظة كفرصة تاريخية لإعادة تثبيت تفوقها الاستراتيجي، فيما تجد إيران نفسها في قلب معركة وجود تخصّ بقاء النظام قبل أي شيء آخر. وبين هذه القوى الثلاث، تتشكل حرب لا مركز لها، بل شبكة من النيران المتنقلة من الخليج إلى الشام إلى البحار المفتوحة، تتقدم أحيانًا وتتراجع أحيانًا أخرى، لكنها لا تتوقف فعليًا.
ومع ذلك، فإن القول إن فلسطين أصبحت "خلف الصورة" لا يعني أنها اختفت، بل يعني شيئًا أكثر قسوة: أنها تُرى ولا تُرى في الوقت نفسه. فهي لم تعد مركز القرار الدولي، لكنها تبقى جرحًا مفتوحًا ينزف يوميًا على الأرض، في تفكيك الضفة إداريًا، في تمدد المستوطنات كوقائع لا شعارات، وفي تصاعد الهجمة على القدس ومحاولات إعادة تشكيل هويتها. ما يجري ليس تأجيلًا بريئًا، بل تصفية تدريجية صامتة تُنفّذ على الأرض أكثر مما تُعلن في الخطابات.
في هذا السياق، لم تختفِ فلسطين، لكنها أُخرجت من مركز الطاولة إلى أطرافها. لم تعد القضية الجامعة التي تُبنى عليها توازنات الإقليم، بل أصبحت ملفًا مؤجلًا في حسابات القوى الكبرى، لا لأن عدالتها انتهت، بل لأن أولويات النظام الدولي أعادت ترتيب نفسها تحت ضغط النار المفتوحة. لكن هذا التراجع السياسي لا يلغي حقيقة أخرى أكثر صلابة: أن فلسطين لا تزال حاضرة في الوعي الشعبي، حتى وإن خفت الصوت الذي يمثلها رسميًا وإعلاميًا.
إيران، التي بنت خطابها طويلًا على فكرة "المقاومة"، تجد نفسها اليوم مضطرة إلى إعادة تعريف أولوياتها. فهي في قلب معركة وجود تخصّ بقاء النظام، لا الدولة ككيان مجرد. فحين يصبح الداخل مهددًا، يتراجع الخارج مهما كان رمزيًا. وهذا لا يعني قطع العلاقات مع الفصائل الفلسطينية، لكنه يعني بوضوح أن الحسابات العملية باتت أكثر برودة وأكثر ارتباطًا بالنجاة السياسية المباشرة. وفي المقابل، استفادت إسرائيل من هذا التحول، إذ نجحت في نقل مركز الثقل الدولي نحو "التهديد الإيراني"، ما خفّف من الضغوط المتعلقة بالاحتلال، وأتاح لها مساحة أوسع للتحرك دون مساءلة مكثفة.
لكن، بالرغم من كل ذلك، فإن الحديث عن "تصفية القضية الفلسطينية" يبقى غير دقيق. فالتصفية تفترض غياب العناصر، وهذا غير موجود. الأرض ما زالت محتلة، والصراع قائم، والبنية السياسية لم تُحسم. لكن الخطر الحقيقي لا يكمن في الإلغاء، بل في التحويل: تحويل القضية من مشروع تحرر وحقوق وسيادة إلى ملف إنساني يُدار عبر المساعدات والخيام والإغاثة، بينما يُترك جوهر الصراع بلا حل.
وهنا يظهر العامل الأخطر: الفراغ الداخلي الفلسطيني. فراغ تمثله سلطة منهكة، وفصائل منشغلة بثقل البقاء أكثر من بناء المشروع، ومجتمع سياسي لم ينجح حتى الآن في إنتاج رؤية موحدة للمرحلة القادمة. هذا الفراغ هو ما يجعل القضية أكثر قابلية للانزلاق نحو الاختزال الإنساني بدلًا من السياسي.
غزة، في هذا السياق، ليست مجرد جغرافيا، بل هي صورة مكثفة لهذا التناقض. فهي حاضرة بقوة، لكنها تُختزل غالبًا في بعدها الإنساني، لا السياسي. وغزة اليوم، دون إدارة سياسية واضحة لليوم التالي، تمثل نموذجًا مصغرًا لهذه المعضلة الكبرى. ومع ذلك، فإن التجربة أثبتت أن الفعل الفلسطيني قادر، حين يبلغ ذروته، على كسر هذا الاختزال وفرض حضوره على العالم، لكن هذا الكسر يحتاج إلى وحدة غائبة، وغطاء عربي وإسلامي غائب، ورؤية لما بعد اللحظة، لا فقط داخلها. وإلا فإن الانفجار يتحول إلى مأساة تتكرر بصيغة مختلفة.
ولا يمكن تجاهل أن المحيط العربي الرسمي لم يعد يتعامل مع فلسطين كأولوية جامعة. فالتطبيع مع إسرائيل لم يتوقف، بل تمدد بشكل صارخ، فيما تتقدم أولويات الأمن الإقليمي، خصوصًا في مواجهة إيران، على حساب الملف الفلسطيني. هذا التحول لم يضعف القضية فقط، بل أعاد تعريف موقعها في الوعي السياسي الرسمي من قضية مركزية إلى قضية جانبية، بالرغم من استمرار حضورها الشعبي.
أما دوليًا، فالمشهد أكثر تعقيدًا. أوروبا تتحرك ضمن الإطار الأميركي، بينما تحاول روسيا والصين الحفاظ على موقع مختلف، لا يصل إلى مستوى إعادة التوازن الكامل، لكنه يفتح نافذة احتمال في مستقبل غير محسوم.
ومن هنا، يمكن فهم المسارات الثلاثة: مسار "التصفية الباردة"، حيث تُعقد تسوية كبرى بين الولايات المتحدة وإيران تُدرج فيها فلسطين كبند ثانوي ضمن ترتيبات إدارية هشة، ومسار "الفوضى الممتدة"، حيث يستمر التصعيد المتقطع وتتحول المنطقة إلى ساحة استنزاف طويلة، بما في ذلك فلسطين نفسها، ومسار "النافذة الزلقة"، حيث يحدث تحول داخلي في أحد مراكز القوة يفتح فجأة فرصة سياسية، لكنها قصيرة العمر وشديدة الهشاشة.
في النهاية، ليست المشكلة أن فلسطين خارج المشهد، بل أنها تُعاد صياغتها داخله بطريقة تفقدها معناها الأصلي. فهي لم تختفِ، لكنها تغيّرت طريقة ظهورها. بين أن تكون قضية تحرر أو أزمة إنسانية، يتحدد مصيرها اليوم، لا فقط بقرارات القوى الكبرى، بل أيضًا بقدرة الفلسطينيين على إنتاج مشروعهم، وبقدرة العرب على استعادة دورهم قبل فوات اللحظة.
ففلسطين ليست غائبة عن اللوحة، لكنها ليست في مركزها. إنها في الزاوية الأبعد، حيث الضوء أقل، والضجيج أكثر. والذين يستطيعون نقلها من الهامش إلى القلب ليسوا الآخرين، بل أصحابها أولًا، ثم محيطها العربي ثانيًا. وإذا استمر التردد، فإن العالم لن ينسى القضية، لكنه سيتأقلم مع وجودها كألم مزمن لا يحتاج إلى علاج.


