: آخر تحديث

الدور المأمول حدوثه من المرجعيات الروحية

3
3
3

أضافت المرجعيات الدينية، بأنواعها المذهبية، إلى ساحة الأزمة التي يعيشها لبنان مواقف، عند المقارنة بين ما تقوله هذه المرجعية وما تنادي به تلك، حضوراً في المشهد السياسي الذي يعيش لبنان تداعياته على الوضع الاجتماعي عموماً.

واللافت للانتباه أن كل مرجعية تقتحم ساحة الأزمة من خلال البيئة التي تهمها، وتتنوع مفردات التعبير، بحيث إن من يقرأ بعناية عبارات في بيان أصدرته هذه المرجعية أو تلك، وفي عظة أو خطبة صلاة جمعة أحياناً، يلمس الحرص على الوطن ويدعو إلى الوحدة الوطنية. وفي نهاية الأمر، تصبح البيانات والخطب والعظات تستهدف مكانة هذا المسؤول السياسي أو ذاك.

وبعد مرور أشهر على تلك الظاهرة التي يتميز بها لبنان دون غيره، طائفياً بامتياز، نجد أن المردود غير مشجع، وأن ما قيل من جانب المرجعيات الدينية الطائفية لم يثمر ما يخفف من وطأة الأزمة التي باتت أثقالها صعبة التحمل من جانب المواطن.

ما هو مدعاة للتساؤل: لماذا، بدل هذه البيانات والخطب والعظات، لا تكون هنالك قمة روحية غير تقليدية، بمعنى أن يشارك الجميع، ويصاغ بعد المناقشة الرحبة بيان يتضمن قرارات موحدة، يسلَّم إلى سفارة كل دولة، بأمل أن يأتي الانطباع أو رد الفعل على هذه القرارات من تلك الدول.

وإلى ذلك، من المجدي بمكان إحاطة الأمم المتحدة رسمياً بهذه القرارات.

عدا ذلك، وفيما الأزمة الناشئة في لبنان عن مسلكيات سياسية وحزبية، ومن دون ما نشير إليه، ستبقى البيانات والعظات وخطب الجمعة، بما تتضمنه من نُصح، لا تبدل من واقع الحال. بل نكاد نرى أن ما يصدر عن هذه المرجعيات مواقف متعددة الدوافع، وأنها لدعم مواقف سياسيين وسياسات تؤكد مفاعيل الممارسة أنها لم تنقذ ما يستوجب إنقاذه.

تعود بي الذاكرة إلى موقف حاسم اتخذه المفتي حسن خالد، وكان من شأن تطويره أن يعدل الكثير من طباع بعض الدول الأجنبية، وتحديداً الولايات المتحدة. ونقول ذلك على أساس أن المفردات التي استعملها المفتي، رحمة الله عليه، لم يحدث أن صدرت عن مرجعية دينية لبنانية أمام مبعوث رئاسي أميركي.

كان دين براون هو المبعوث من إدارة الرئيس جيرالد فورد، وحدث أن براون لم يكتفِ بلقاء أهل السياسة، وإنما ارتأى زيارة المفتي خالد في مقر سكناه في عرمون يوم 3 نيسان 1976، فيما بركان الاحتراب الأهلي يصل أعلى درجاته.

من جملة ما دار خلال الحوار بين الاثنين أن براون سأل المفتي: "هل إن مطالبتكم بأن ينص الدستور على أن لبنان جزء من الأمة العربية؟" وأجاب المفتي خالد بالآتي:

"الميثاق الوطني هو ميثاق بين طرفين في ظل الانتداب الفرنسي. في تلك الفترة كان الوطنيون يريدون الخلاص من الأجنبي، فكان لا بد من الاتفاق السريع والخلاص بشيء مرحلي، فكان الميثاق الشفوي مبنياً على نقطتين: تخلي المسيحيين عن الحماية، وتخلي المسلمين عن الوحدة العربية.

"وعندما نطالب بأن يكون لبنان جزءاً من الأمة العربية، فليس هذا أننا نريد إلغاء الاستقلال والسيادة، بل نصر على سيادة لبنان العربي واستقلاله، وإذا كنا نتطلع إلى الوحدة العربية، فنحن لا نريدها على الإطلاق إلا بإجماع اللبنانيين كلهم حتى آخر لبناني.. هذا من ناحية الوضع السياسي، ولكن من ناحية الوضع القومي والتراثي، فأنا وغبطة البطريرك الماروني، نتكلم العربية، ولنا تاريخنا العربي، ولنا تطلعاتنا العربية المشتركة، ولنا آلامنا وآمالنا، ولنا وحدة مصيرنا، فهذا واقع لا بد من ذكره في الدستور.. فلماذا تجاهله؟".

ويبقى الذي قاله المفتي خالد قبل نصف قرن حول موقف لبنان من الصراع العربي - الإسرائيلي، والقضية الفلسطينية عموماً، برسم الذين يرون حاضراً أنهم الأكثر حرصاً على القضية.

وهذا نوضحه في مقال لاحق.

والله المعين.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.