كانت الصحافة، منذ نشأتها الأولى، منارةً تهدي العقول، ومرآةً تعكس هموم الناس وآمالهم، وسلاحًا مشروعًا في وجه الظلم والاستبداد. لم تكن يومًا مهنةً عابرةً تُمارَس من أجل الشهرة أو المال، بل كانت رسالةً سامية، يحملها أصحاب الضمائر الحيّة، ويؤدونها بصدقٍ وإخلاص، وهم يدركون أن الكلمة قد تغيّر مصير أمة، وأن الحقيقة إذا كُتبت بجرأة، أمكن لها أن تهزّ أركان الفساد مهما اشتدّ جبروته.
ومن واجب الصحافي الحقّ أن يتحدى المسؤولين، لا أن يلهث وراء رضاهم، مترقبًا ما قد يمنحونه من فتات المصالح والمكاسب. فالصحافي لا يُخلق ليكون تابعًا، ولا ليقف على أبواب أصحاب السلطة ينتظر الإذن أو الرضا، بل ليكون عين الشعب الساهرة، ولسانه الناطق، وصوته الذي يُطالب بالحق حين يصمت الجميع. إن مهمته الحقيقية لا تكمن في التقرب من أصحاب النفوذ، بل في مساءلتهم، وكشف أوجه القصور، وتعريتهم أمام الرأي العام حين يختبئون خلف المكاتب الفاخرة والجدران الرسمية.
فالصحافة التي تخشى المسؤول، أو تتردد في مساءلته، تفقد معناها الحقيقي، وتتحول إلى مجرد صدى باهت لخطابات السلطة. وما أكثر ما رأينا في زماننا هذا من أقلامٍ خضعت، وأصواتٍ باعت رسالتها، واختارت السلامة على الشجاعة، والمصلحة على المبدأ. وهكذا تسقط رسالة الصحافة حين يصبح الصحافي طالبًا للرضا، لا طالبًا للحقيقة.
وعلى الصحافي الشريف أن يواصل الكتابة بثبات، وأن يضيّق الخناق بالكلمة الصادقة، والحجة الواضحة، والدليل القاطع، حتى يضع من يكتب عنهم أمام مسؤولياتهم، ويكشفهم أمام الناس كشفًا لا مواربة فيه ولا تزييف. فالمسؤول الذي يُهمل واجبه، أو يتنكر لمعاناة المواطنين، لا يستحق الصمت، بل يستحق أن يُسأل، وأن يُحاسَب، وأن يُوضَع أمام مرآة الحقيقة مهما حاول كسرها.
فالصحافي الحقيقي لا يتراجع أمام الصعاب، ولا تنال من عزيمته العراقيل، ولا ترهبه التهديدات، بل يكتب، ويكتب، ويواصل الكتابة حتى يبلغ غايته ويصيب جوهر الحقيقة. لأن الاستمرار المقرون بالصدق، والعمل القائم على الإيمان بالمهنة، قادرٌ على صنع المستحيل، وتحقيق ما يراه الناس بعيد المنال. وكم من قضيةٍ دفنتها الأيام، فأعادتها مقالة شجاعة إلى الواجهة، وكم من مظلومٍ أعاد له قلم نزيه بعضًا من حقه وكرامته.
إن الصحافي الصادق لا يقيس نجاحه بعدد الصور التي يلتقطها مع المسؤولين، ولا بعدد الدعوات التي يتلقاها إلى الولائم والمناسبات، ولا بعدد ما يجنيه من المال والمكاسب، بل يقيسه بمدى قربه من الناس، وبمقدار ما أحدثه من أثرٍ في حياة البسطاء، وبما كشفه من حقائق كانت مستترة خلف ستار المجاملات.
وهذا ما نرجو أن يدركه كل من عشق هذه المهنة؛ أن يكون صادقًا قبل أن يكون مشهورًا، ومخلصًا قبل أن يكون حاضرًا في الواجهة. فالصحافي الحق هو من يجعل الحقيقة بوصلته، والناس قضيته، لا المنصب الذي يشغله، ولا المكاسب التي يسعى إليها. هو لسان حال المحتاجين، وصوت المظلومين، والضمير الذي لا يساوم، ولا يبيع شرف الكلمة مهما عظمت الإغراءات.
غير أن الواقع اليوم، وللأسف، تبدّل كثيرًا. فقد صار بعض من ينتسبون إلى هذه المهنة يركضون خلف الامتيازات، ويتزاحمون على موائد النفوذ، ويجعلون جيوبهم غايتهم الأولى، بينما تراجعت الحقيقة إلى الصفوف الخلفية، وغاب صوت الناس خلف ضجيج المصالح. وأصبحت بعض المنابر الإعلامية لا تبحث عن معاناة المواطن، بل عن رضا المسؤول، ولا تنشغل بقضايا المجتمع، بل بما يرضي الممولين وأصحاب القرار.
وهكذا سقطت رسالة الصحافة عند من باعها بثمنٍ بخس، واستبدل شرفها بمصلحة مؤقتة، ونقاءها بمنفعة زائلة. فتحوّل بعض الصحافيين من رقباء على الفساد إلى مروّجين له، ومن مدافعين عن الشعب إلى متحدثين باسم المتنفذين. وبدلًا من أن تكون الصحافة جسرًا بين الناس وحقوقهم، أصبحت عند البعض سلمًا للوصول إلى المناصب والمكاسب.
لكن، وبالرغم من هذا السقوط المؤلم، تبقى هناك أقلام شريفة لم تنحنِ، وصحافيون أحرار ما زالوا يؤمنون بأن الكلمة أمانة، وأن الصحافة شرف قبل أن تكون وظيفة. هؤلاء هم الأمل الحقيقي، وهم الذين يعيدون للمهنة بريقها كلما خفت، ويُثبتون أن الرسالة لا تموت ما دام هناك من يحملها بإخلاص.
إن إنقاذ الصحافة لا يكون بالشعارات، ولا بالمظاهر، بل بعودة الصحافي إلى ضميره، وعودته إلى الناس، وعودته إلى معنى المهنة الأول: البحث عن الحقيقة وخدمة المجتمع. فإذا عاد الصحافي إلى رسالته، عادت الصحافة منارةً كما كانت، وإذا استمر في الارتماء بأحضان المصالح، فلن يبقى من الصحافة إلا الاسم.
فالصحافة إما أن تكون صوتًا للحق، أو تكون صدى للباطل. إما أن تكون حارسًا للناس، أو خادمًا للسلطة. وإما أن تحمل رسالةً سامية، أو تسقط سقوطًا مدويًا لا تنهض منه إلا حين يعود إليها رجالٌ ونساء يؤمنون بأن الكلمة الحرة لا تُشترى، وأن الحقيقة لا تموت، وإن طال غيابها.


