في صباحٍ ربيعيّ خفيف، بدت لندن أمس كأنها تحتفل بأحد أجمل أعيادها غير المعلنة. من Greenwich Park، حيث يمرّ خط غرينتش الشهير — خطّ الطول صفر الذي يُضبط عليه توقيت العالم — إلى The Mall المؤدي إلى Buckingham Palace، امتدّ شريط بشري بطول 26.2 ميلاً (نحو 42.2 كيلومتراً)، كأن المدينة كلّها خرجت لتكتب جورنالها على الإسفلت.
مرّ العدّاؤون أمام Cutty Sark («كاتي سارك»)، التي عبرت البحر في 1869 كأسرع سفينة شراعية اشتهرت في تجارة الشاي، ثم تحوّلت إلى متحف وطني، ثم عبروا Tower Bridge («جسر البرج») المطلّ على Tower of London («برج لندن»)، حيث تعاقبت حكايات الملوك والملكات… وبعض نهاياتهم الدامية. وعلى ضفاف River Thames، مرّوا أيضاً بجوار «مسلة كليوباترا»، كأن شاطئ الإسكندرية يرسل تحية بعيدة إلى ضفة نهر آخر.
على امتداد الطريق، جلست عائلات تحمل سلال نزهة، ووقف أصدقاء يحملون كاميرات وهواتف، ينتظرون لحظة مرور من يحبّون. كان التصفيق لا ينقطع، والهتاف يتجدّد مع كل عدّاء، كأن لندن تسمح لنفسها بيومٍ من العاطفة الصريحة.
الماراثون، الذي بدأ عام 1981، تحوّل إلى تقليد سنوي له طقوسه. أصله يعود إلى الحكاية اليونانية عن العدّاء الذي ركض من «ماراثون» إلى أثينا حاملاً خبر النصر. ومنذ إدراجه في الألعاب الأولمبية الحديثة عام 1896، صار اختباراً للإرادة قبل أن يكون سباقاً للأرقام.
هذا العام، شارك نحو 59 ألف عدّاء. بعضهم محترفون، وكثيرون هواة يركضون لهدف أبسط وأعمق: جمع تبرعات لأعمال خيرية. في عام 2024 بلغت التبرعات 73.5 مليون جنيه إسترليني؛ رقم قياسي آنذاك، قبل أن يُكسر لاحقاً، ليرتفع إجمالي ما جُمع منذ 1981 إلى ما يقارب 1.4 مليار جنيه.
ومع ذلك، لم يخلُ اليوم من الأرقام الكبيرة. فقد فاز الكيني Sabastian Sawe بزمن قدره ساعة و59 دقيقة و30 ثانية، مسجلاً رقماً عالمياً جديداً، وأول ماراثون رسمي يُقطع في أقل من ساعتين. وبذلك تجاوز الرقم السابق (2:00:35) الذي سجله Kelvin Kiptum عام 2023، بل وتفوّق أيضاً — للمفارقة — على زمن Eliud Kipchoge (1:59:40) الذي تحقق في مسابقة غير رسمية.
ولأن الإنجليز لا يفوّتون فرصة لإظهار غرابتهم المحببة، تحوّل السباق إلى مهرجان متنقّل. لم يكتفِ العدّاؤون بالملابس الرياضية؛ رأيت مهرّجين، وطيوراً، وحيوانات، وحتى «حصان بانتومايم»، شخصين داخل زيّ واحد لحصان، يعدوان وسط ضحك المشاهدين. آخرون ارتدوا أزياء فواكه أو شخصيات من أفلام ديزني، وبعضهم بدا كأنه طائرة أو غواصة تمشي على قدمين.
وعلى طول الطريق، أقامت شركات المشروبات نقاطاً تقدّم زجاجات ماء مجاناً. لم يكن التركيز على السرعة بقدر ما كان على إكمال الرحلة. الحكايات التي تُروى هنا لا تخصّ الفائزين فقط، بل أولئك الذين تحدّوا أنفسهم.
وفي قلب هذا المشهد، كانت هناك أيضاً حكاية شخصية. ابنتي ليلى كانت بين هؤلاء الذين ركضوا دعماً لـ Hospices UK، جمعية خيرية تموّل وتدير نوعاً خاصاً من المستشفيات للمرضى الذين ستنتهي حياتهم في أسابيع قليلة، يقيمون فيها لوداع أيامهم الأخيرة في الحياة. ليلى حاصلة على ماجستير في العلاقات الدولية، وتعمل في كلية الطب بجامعة لندن، حيث تُشرف على برنامج لتدريب أطباء مؤهّلين من الخارج للعمل في بريطانيا. أنهت السباق في سبع ساعات، لا على عجل، بل على مهلٍ إنساني؛ توقّفت عند نقاط عدّة على الطريق، تلتقي بأصدقاء وزوجها وزملائها، يتبادلون التحية ويلتقطون صور «سيلفي»، قبل أن تواصل الركض. لم تكن تركض وحدها؛ كانت تحمل معها رسالة، ووجوهاً تعرفها، وقضية تؤمن بها.
لحظة مرورها لم تكن مجرّد نقطة على خط السباق، بل لحظة تختصر معنى اليوم كله: أن يركض الإنسان من أجل غيره، وأن تتحوّل مدينة مثل لندن إلى مساحة تضامن مفتوحة.
ماراثون لندن ليس مجرد سباق. هو جورنال حيّ، تُكتب سطوره على الإسفلت، وتقرأه العيون قبل الكلمات. وفي زمن تتسارع فيه الأخبار، يبقى مثل هذا اليوم تذكيراً بسيطاً: أن الإنسان لا يزال قادراً على أن يركض… لا هرباً، بل اقتراباً من الآخر.


