: آخر تحديث

عن أي منظومة دفاعية تتحدثون؟

2
1
2

العراق مسلوب السيادة والإرادة، فعن أي منظومة دفاعية تتحدثون؟

يتسم العراق، وخاصة إقليم كوردستان، بتاريخ طويل ومستمر من القصف والتدخلات التركية والإيرانية، وأن الهجمات بالطائرات المسيّرة والصواريخ التي تستهدف الإقليم من قبل الجارة السيئة إيران وذيولها التي تهيمن على العراق نيابة عن إيران تتجدد مشاهدها اليوم بطرق أخرى، بالرغم من الهدنة المعلنة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، والجارة السيئة من جهة أخرى، والضحية مدنيون أبرياء، كل ذنبهم أنهم يعيشون في بلد منزوع السيادة، والمجرم غادر لا أحد يستطيع إيقافه وكبح جماح هجماته الإرهابية ما دامت الدولة ناقصة السيادة.

أقولها من جديد، وبمرارة شديدة، إن مشكلة العراق الأساسية هي أن البلد منقوص السيادة ومحتل من قبل الدول الإقليمية والدولية. فإيران وتركيا من جهة، والولايات المتحدة من جهة أخرى، يتحكمون بالبلد، أما الحكومة العراقية فلا حول لها ولا قوة.

السيادة أم أنظمة باتريوت؟
بالرغم من إعلان وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران، وإعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب الإبقاء، حتى إشعار آخر، على الهدنة السارية منذ بداية نيسان (أبريل) الجاري مع إيران، تعرض اليوم الأربعاء المصادف 22 نيسان (أبريل) مخيم سورداش ضمن حدود ناحية دوكان في محافظة السليمانية، والذي يقطنه عوائل الأحزاب العارضة الإيرانية، إلى هجوم صاروخي جديد، مما تسبب بأضرار مادية كبيرة داخل المخيم.

ويأتي هذا الهجوم الأخير في إطار سلسلة من الهجمات الإرهابية المتواصلة على إقليم كوردستان من قبل الجارة السيئة إيران، وحسب الإحصاءات الرسمية المحلية تعرض الإقليم منذ إعلان وقف إطلاق النار للقصف بأكثر من 16 طائرة مسيّرة، وقد استهدفت غالبية الهجمات مخيمات عوائل الأحزاب العارضة الإيرانية، مما أسفر عن استشهاد عدد من ساكني تلك المخيمات.

وبسبب تواصل الهجمات الإرهابية دعت حكومة الإقليم رسميًا شركاءها الدوليين إلى توفير منظومات دفاع متطورة لحماية أجواء الإقليم، ناسية أو متناسية أن المنظومات الدفاعية لا تحل مشكلة إقليم كوردستان، لأن، بكل بساطة، العراق ينقصه السيادة قبل أي شيء آخر.

فعلى سبيل المثال لا الحصر، تتواصل القوات التركية هجماتها وتوغلاتها داخل الأراضي العراقية منذ أكثر من 30 عامًا بذريعة محاربة حزب العمال الكوردستاني التركي، وازدادت هذه الهجمات والتوغلات بعد سقوط الصنم عبر احتلال مساحات كبيرة داخل العراق، وإنشاء معسكرات ومقرات لقواتها وقواعدها، وعلى الرغم من إعلان العمال الكوردستاني، وبشكل رسمي، إيقاف عملياته العسكرية ضد تركيا، وموافقته على نزع السلاح، إلا أن الاستهدافات التركية للمناطق والقرى في الإقليم مستمرة، إلى جانب استمرارها في تواجدها العسكري.

وفي هذا السياق، يرى مراقبون ومحللون أن استهداف العراق من قبل الدول الإقليمية وميليشياتها يكشف عن افتقار العراق إلى السيادة الحقيقية، على الرغم من أن المادة الأولى من الدستور العراقي تنص على أن جمهورية العراق دولة اتحادية واحدة مستقلة ذات سيادة كاملة، ويرون أيضًا أن ضعف القرار الأمني للحكومة العراقية دفع الفصائل الموالية للدول الإقليمية إلى التصرف بمسار معارض لمصالح الدولة العراقية محليًا وإقليميًا ودوليًا، وأن شروط تلك الفصائل لوقف عملياتها داخل العراق وخارجه تتمثل بعدم استهدافها من قبل الولايات المتحدة، مؤكدة أنها ستستأنف الهجمات على المصالح الأميركية في العراق وخارج العراق في حال فشل الهدنة بين الولايات المتحدة ومرجعها إيران.

أخيرًا، ستستمر الهجمات التي تنفذها الميليشيات العراقية الموالية للجارة السيئة إيران على إقليم كوردستان حتى إذا وقفت الحرب بشكل نهائي، كما تستمر تركيا في تدخلاتها العسكرية في "شمال العراق" حسب تعبيرها، ويعكس هذا الواقع طبيعة النفوذ الإيراني من جهة، والتركي من جهة أخرى، المتجذر في العراق منذ عام 1991، حيث عملت تركيا وإيران، بشكل ميداني، على توسيع حضورهما السياسي والعسكري والاقتصادي داخل الإقليم ومن خلال الأحزاب الكوردية.

فمن خلال تعزيز علاقتهما مع قوى سياسية كوردية، نجحت إيران وتركيا في ترسيخ شبكة نفوذ عميقة داخل الإقليم، الأمر الذي يجعل من المستحيل فصل ساحة الإقليم عن أي صراع إقليمي ودولي، والحرب الأخيرة بين الولايات المتحدة والجارة السيئة إيران أثبتت هذه الحقيقة.

وبذلك يجد الإقليم نفسه أمام معادلة معقدة جدًا، فمن جهة يسعى إلى الحفاظ على استقراره الداخلي، ومن جهة ثانية منشغل ومنهمك بخلاف قديم جديد بين السليمانية وأربيل، وهي في الحقيقة خلافات عميقة بين الإخوة الأعداء تتفاعل على وقع الاستقطاب الحزبي، والانقسام الجغرافي، والتنافس على السلطة والثروة، والأبعاد الإقليمية، فعلى سبيل المثال لا الحصر، فإن اختيار رئيس الجمهورية فتح بابًا جديدًا للصراع الكوردي ـ الكوردي، خصوصًا بين الحزبين الديمقراطي الكوردستاني، والاتحاد الوطني، وجاءت هذه الخلافات في لحظة حساسة شهدت تباينات حادة داخل المكونات العراقية الثلاثة بشأن تقاسم المناصب العليا، واعتبر الديمقراطي الكوردستاني أن عملية انتخاب رئيس الجمهورية جرت بطريقة خارجة عن النظام الداخلي المصادق عليه في مجلس النواب العراقي، وعليه رفض آلية الانتخاب وأعلن عن عدم تعامله مع الرئيس المنتخب نزار محمد سعيد أميدي باعتبار أنه لا يمثل الأغلبية الكوردستانية، وأعلن سحب نوابه ووزرائه من بغداد لتقييم الأوضاع والتشاور، كما أعلن الدكتور شاخوان عبد الله، وهو رئيس كتلة الحزب الديمقراطي الكوردستاني في البرلمان العراقي، في بيان له، الموقف الرسمي لحزبه بشأن انتخاب محمد سمعان المتحدث باسم الجبهة التركمانية محافظًا جديدًا لمدينة كركوك، واصفًا العملية بأنها غير شرعية، في الوقت ذاته صرح الاتحاد الوطني بأن انتخاب سمعان كان في إطار تنفيذ المرحلة الثانية من اتفاق فندق الرشيد، والذي يقضي بتقاسم المنصب، عامان للكورد، وعام للتركمان، وعام للعرب السنة.

ومن الجدير بالذكر أن القادة الأتراك، ومنذ عام 1991، لم يكفوا عن ترديد التصريحات التي تكشف مطامعهم العدوانية في أرض العراق وثرواته، والمطالبة بعودة ولاية الموصل إلى تركيا، ويمنحون أنفسهم حق الوصاية على تركمان العراق، إلى جانب مواصلة سياستهم التعسفية في مجال المياه ورفض الاعتراف بدجلة والفرات باعتبارهما نهرين دوليين، وما يترتب على ذلك من حقوق تاريخية للعراق في مياهه، كما تهدد تركيا بين فترة وأخرى بالتدخل لحماية المكون التركماني في مدينة كركوك "قلب الطاقة العراقي"، وتعتبر أنها موطن التركمان لا تسمح بزعزعة الاستقرار والأمن فيها، وأنها متمسكة بما يعرف بـ"الميثاق الملّي" الذي لم يعد فقط وثيقة من القرن الماضي، بل أداة يعاد إحياؤها لتبرير التحركات الجيوسياسية التركية اليوم، وسط صمت محلي وإقليمي ودولي لافت، ويعتبر الميثاق المذكور كامل شمال وشرق سوريا، وحلب، والموصل، وكركوك، وأجزاء من يونان، وأرمينيا، مناطق تركية مستقطعة يجب إعادتها إلى السيطرة التركية باعتبارها جزءًا من وطن الأمة التركية.

أعتقد جازمًا أن التدخلات والانتهاكات ضد الإقليم ستستمر حتى وإن حصل على منظومات الدفاع الجوي، ما دامت الانتماءات الفرعية هي فوق الانتماء الوطني، ويبقى العراق ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الداخلية والخارجية، وكجزء رئيسي ومهم في المدرك الاستراتيجي الأميركي في الشرق الأوسط من جهة، وحجر الزاوية في الاستراتيجية الإقليمية من جهة أخرى.

ومن المضحك المبكي أن رأس الحية إسماعيل قاآني وصل إلى بغداد بصورة مفاجئة، وكأنه حاكم عسكري فعلي للعراق، والتقى بالذيول المرتبطة بفيلق القدس، والمهيمنة على العراق نيابة عن بلده، وثمن موقفهم وشكرهم على انخراطهم بشكل مباشر في الحرب من خلال مهاجمتهم بالصواريخ والقذائف الباليستية القصيرة المدى والطائرات المسيّرة لأهداف أميركية وغير أميركية، وتحويل العراق، الساحة الخلفية للجارة السيئة، إلى ساحة حرب بالوكالة، كما انتقد التدخلات الأميركية في تشكيل الحكومة العراقية، والتي تسيطر على عائدات النفط العراقي بالدولار، وقد هددت سابقًا بقطع التمويل للحد من النفوذ الإيراني، وقال قاآني: "إن تشكيل الحكومة حق للشعب العراقي، ولا حق لمرتكبي الجرائم ضد الإنسانية التدخل في شؤونه" حسب تعبير رأس الحية!

فعن أي منظومات الدفاع تتحدثون، والبلد محتل من قبل الأصدقاء قبل الأعداء؟


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.