في أوقات الحروب يمثل التركيز على النصر وتناسي البعد الإنساني تحديًا خطيرًا، حيث تتحول الدولة في وقت الحروب إلى ما يشبه آلة حرب ضخمة، فيطغى منطق البقاء العسكري على ما سواه، وهذا التركيز المكثف يؤدي غالبًا إلى فجوات إنسانية عميقة، فتُوجَّه كافة مقدرات الدولة للإنفاق والتسلح العسكري وكيفية تحقيق النصر على العدو دون الأخذ بالاعتبار أي التزامات أو مسؤوليات أخرى تتعلق بالمواطنين تحت شعار "لا صوت يعلو فوق صوت المعركة"، فيصبح المدنيون في ذيل قائمة الأولويات، مما يعرضهم لمخاطر المجاعة والأوبئة وفقدان المأوى وارتفاع مهول للأسعار وندرة السلع وانقطاع الدخل الذي يقتات عليه أفراد الأسرة.
لكن تجربة دول مجلس التعاون الخليجي مثلت نموذجًا استثنائيًا في إدارة الأزمات أثناء العدوان الإيراني الإرهابي الغاشم، حيث نجحت في تحويل التحديات الأمنية والسياسية إلى فرصة لترسيخ مفهوم الأمن الإنساني، فبينما تؤدي الحروب عادةً إلى انهيار المنظومات الاجتماعية والإنسانية، اتخذت دول الخليج العربية خطوات استباقية ركزت على الأولويات القصوى لحياة مواطنيها والمقيمين على أرضها من خلال تفعيل أنظمة الحماية المدنية وضمان سلامة السكان كخط أحمر لا يقبل التفاوض أو المساس به، كما عملت على دعم الاستقرار المعيشي من خلال التدخل المباشر لضبط أسعار السلع الاستهلاكية ومنع الاحتكار وتأمينها بما يغطي كافة الاحتياجات الاستهلاكية، مما حافظ على السلم الاجتماعي ومنع تآكل القوة الشرائية.
ولعلي أتطرق في هذا المقام إلى ما قامت به مملكة البحرين تحديدًا خلال فترة العدوان الإيراني الغاشم على البحرين ودول المنطقة، فبالإضافة إلى ما تم ذكره من إجراءات حماية المواطنين وتأمين السلع الغذائية ووفرتها في الأسواق المحلية، قامت حكومة البحرين ممثلة بصاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة ولي العهد رئيس مجلس الوزراء حفظه الله ورعاه بدعم أجور العاملين المؤمن عليهم في القطاع الخاص بهدف منع تسريح العمالة الوطنية نتيجة التحديات الإقليمية الراهنة وتخفيف الأعباء عن المؤسسات الصغيرة والمتوسطة لضمان استدامتها وعدم إفلاسها، وكذلك لضمان استمرار تدفق الدخل للأسر البحرينية دون انقطاع، وهذا لم يكن مجرد إجراء اقتصادي، بل رسالة طمأنة بوقوف الدولة مع الفرد في أحلك الظروف وحماية استقرار المجتمع والحفاظ على عقد الأمان الاجتماعي، وقد أثبتت الأزمات الأخيرة أن الدولة ليست مجرد جهة تنظيمية، بل هي الضامن الأول للاستقرار النفسي والمعيشي للمواطن، كذلك اتخذت إجراءات تنظيمية تتعلق بمرونة العمل من خلال خفض نسب الحضور الفعلي للموظفين واستخدام الحلول التقنية، مما عكس وعيًا بضرورة استمرار الحياة مع تقليل المخاطر إلى أدنى مستوياتها، كما أن التحول الرقمي الشامل للمعاملات الحكومية أحد أهم الأدوات التي ضمنت استمرارية الحياة وحماية الإنسان في دول الخليج خلال الأزمات، حيث لم يعد إنجاز المعاملات يتطلب الحضور الفعلي، مما عزز من إجراءات السلامة الميدانية، وبفضل البنية التحتية الرقمية الحديثة والمتطورة تم تفعيل التعليم عن بُعد، مما حمى ملايين الطلاب والموظفين من مخاطر التواجد في الخارج أثناء فترات التوتر الأمني، وفي نفس الوقت عوض الفاقد التعليمي خلال فترة العدوان وحافظ على أيام التمدرس وحافظ على استمرارية تلقي التعليم بمختلف الوسائل المتاحة لذلك.
أحد الإخوة المقيمين كان يُحدثني عن قوة الدولة وثبات نظام الحكم في مملكة البحرين وباقي دول مجلس التعاون الخليجي في حفظ النظام والاستقرار الأمني، وفي نفس الوقت استمرارية الحياة بكل تفاصيلها، وخاصة عندما كانت الصواريخ والمسيرات الإيرانية تنتهك أجواء المملكة كان يسود الأمن وعدم الخوف أو الفزع من قبل المواطنين والمقيمين، وكأن شيئًا لم يكن، وهذا بدوره يعكس ثقة المواطن بكفاءة القائد وحكمته وتضحيته من أجل شعبه ووطنه والمضي بسفينة الوطن إلى بر الأمان، كذلك ثقة المواطنين بقوة الردع للمنظومة الدفاعية لقوة دفاع البحرين، وثقة المواطنين والمقيمين بأجهزة الأمن المختلفة التي تحمي المجتمع من الانفلات في مثل هذه الظروف، وثقة المواطنين والمقيمين بإمكانات الدولة في توفير كافة احتياجات المواطنين الاستهلاكية والصحية والتعليمية والاجتماعية وتأدية عباداتهم بكل أريحية وأمان، كل ذلك يعكس قوة الدولة وثبات نظامها والثقة المتبادلة بين القيادة والشعب، وهذا هو المعيار الحقيقي لاستقرار الأوطان وثبات نظام الحكم، وهنا يتجلى تفاني القائد والإخلاص لشعبه الذي بدوره يبادله الحب والوفاء والولاء.
هذا النهج يؤكد أن القيم الإنسانية في الفكر السياسي الخليجي ليست شعارات، بل سياسات تطبيقية تضع كرامة الإنسان واستقراره فوق أي اعتبار مادي أو عسكري، هذا النهج أو ما يسمى بأنسنة السياسة في التجربة الخليجية الحديثة، وهذا يؤكد أن أنظمة الحكم في دول الخليج العربية أصبحت شريكًا في التنمية الإنسانية، ولم تعد الدولة تلعب دور الحارس التقليدي فقط، بل تحولت إلى قوة ناعمة عززت مكانة الخليج كمركز ثقل دولي ليس بسبب النفط فقط، بل بكونها وسيطًا إنسانيًا وملاذًا للاستقرار والتنمية البشرية والحضرية.


