لم يكن اضطراب الملاحة في مضيق هرمز حدثًا غير مسبوق. فقد تعرّض هذا الممر الحيوي لتهديدات متكررة عبر العقود، من حرب الناقلات في الثمانينيات إلى التوترات المستمرة في الخليج. غير أن ما يميّز اللحظة الراهنة ليس مجرد وجود الخطر، بل تآكل قدرة الولايات المتحدة على احتواء هذا الخطر دون أن يغيّر سلوك النظام الذي تدّعي تثبيته.
يمر عبر مضيق هرمز نحو خُمس تجارة النفط العالمية، إضافة إلى نسبة كبيرة من الغاز الطبيعي المسال. الاقتصادات الأكثر عرضة ليست الولايات المتحدة، بل الدول الآسيوية المستوردة للطاقة، مثل اليابان وكوريا الجنوبية والهند. أي تعطّل في هذا المسار يؤدي إلى ارتفاع تكاليف الشحن، وزيادة أسعار التأمين، وإجبار السفن على الالتفاف حول أفريقيا، ما يضيف أسابيع من التأخير وتكاليف إضافية على سلاسل الإنتاج.
القراءات الأكثر تشاؤمًا، مثل تلك التي يطرحها جيم ريكاردز، تميل إلى القفز من اضطراب الإمدادات إلى سيناريوهات انهيار شامل. وبالرغم من أن ريكاردز يمتلك خلفية في تحليل الأزمات المالية وعمل كمستشار في دوائر الدفاع الأميركية، فإن تحليلاته غالبًا ما تميل إلى المبالغة. فالانهيار الصناعي أو المجاعة ليسا نتيجة مباشرة أو حتمية، بل يمران عبر سلسلة من العوامل الوسيطة مثل المخزونات الاستراتيجية والقدرة على التكيّف.
السؤال الأكثر أهمية ليس ما إذا كان النظام سينهار، بل كيف يتصرف تحت الضغط. هنا تكمن دلالة الدور الأميركي. فقد قامت القوة الأميركية تاريخيًا على ضمان استمرارية التدفقات، لا على منع كل تهديد. وكانت قادرة على احتواء الأزمات بسرعة وإعادة الاستقرار.
غير أن المشكلة تظهر حين يتحول احتواء الأزمات إلى حالة دائمة. فمضيق هرمز يشهد دورات متكررة من الاضطراب، وكل دورة تضيف كلفة جديدة. هذه ليست صدمات منفصلة، بل ضغط تراكمي.
هذا الضغط أصبح قابلًا للقياس. فقد ارتفعت تكاليف التأمين على الشحن، وتزايدت معدلات الشحن البديلة، كما وسّعت دول مثل الهند احتياطياتها النفطية. واستثمرت الصين في خطوط أنابيب برية لتقليل الاعتماد على الممرات البحرية، بينما عملت دول الخليج على تنويع طرق التصدير.
لا تعني هذه التحركات انسحابًا من النظام الأميركي، لكنها تعكس تكيّفًا مع واقع جديد: لم يعد أمن المضيق مضمونًا بشكل مطلق.
هنا يظهر التحول الجوهري: من ضامن إلى مدير. الضامن يخلق الاستقرار، أما المدير فيتعامل مع عدم اليقين. الولايات المتحدة لا تزال تملك القوة، لكنها لم تعد قادرة على منع تكرار الاضطرابات.
وهذا هو الخسارة الاستراتيجية الحقيقية. ليست فقدان السيطرة بالكامل، بل ارتفاع كلفة الحفاظ عليها. كل تدخل يعيد الاستقرار مؤقتًا، لكنه لا يمنع الأزمة التالية.
أصبح مضيق هرمز بذلك ليس مجرد ممر للطاقة، بل مركز كلفة للقوة الأميركية. يستهلك الموارد دون أن يعيد إنتاج الاستقرار كما في السابق.
الخلاصة واضحة: الولايات المتحدة لا تخسر لأنها عاجزة عن الفعل، بل لأنها مضطرة للفعل باستمرار دون تحقيق أثر دائم.


