: آخر تحديث

هرطقات الممانعة: مِن وَهم السيادة إلى بِدعة العدو الداخلي

10
9
9

هناك ثلاثة مفاهيم هرطوقية يُتداول بها اليوم في الخطاب السياسي والإعلامي اللبناني، مفاهيم لا تعيش إلا على التبسيط المخل وسوء النية المقصود، لكن للأسف هناك من يمرر تلك المفاهيم إما بحسن نية أو بسبب الإرهاق الذي أصاب اللبنانيين بعد سنوات من الانهيار والحروب المفتوحة. هذه المفاهيم ليست مجرد شعارات عابرة، بل أدوات خطابية تُستخدم لتضليل الرأي العام وتغطية واقع أكثر خطورة، واقع يتمثل في مصادرة الدولة وتحويلها إلى واجهة لكيان عسكري-أيديولوجي مرتبط بالحرس الثوري الإيراني.

أول هذه المفاهيم هو استحضار شعار "10452 كلم مربع" بوصفه دليلاً على وطنية جمهور حزب الله وتمسكه بحدود الأراضي اللبنانية، وهي مفارقة تكاد تكون سريالية بكل المقاييس. هذا الشعار الذي ارتبط تاريخيًا بفكرة السيادة الكاملة وغير القابلة للتجزئة، والذي رسّخه الرئيس الراحل بشير الجميل في سياق بناء دولة سيدة حرة مستقلة، يُفرَّغ اليوم من مضمونه ليُستخدم كغطاء لواقع يناقضه بالكامل.

فكيف يمكن الحديث عن وحدة الأراضي فيما القرار السيادي مجتزأ، والجنوب اللبناني نفسه تحوّل إلى منصة صراع إقليمي لا يملك اللبنانيون قرارها؟ إن رفع هذا الشعار بدون الاعتراف بأن السيادة هي شرطه الأساس، وأن الدولة هي المرجعية الوحيدة للسلاح واتخاذ القرارات، ليس سوى استهزاء بالعقل السياسي اللبناني. فالوطن ليس خريطة تُنشر على فيسبوك، بل عقد سياسي قائم على احتكار الدولة للقتال المشروع، وأي تجاوز لذلك هو نسف لفكرة الوطن نفسها.

أما المفهوم الثاني، فهو تهمة "التحريض" التي تُستخدم كسلاح لقمع أي صوت يعارض سطوة حزب الله أو ينتقد سلاحه. هذه التهمة، التي يجري إطلاقها بشكل اعتباطي، تعكس انحدارًا خطيرًا في النقاش العام، لأنها تقلب الحقائق وتضع الضحية في موقع المتهم. إن الاعتراض على قتل اللبنانيين، أو على إدخال البلاد في حروب خارجية، أو على اغتيال شخصيات سياسية وإعلامية، ليس تحريضًا، بل هو الحد الأدنى من الدفاع عن النفس وعن مفهوم الدولة. من اغتيال الرئيس رفيق الحريري، إلى سلسلة طويلة من الاغتيالات التي طالت سياسيين وصحافيين ونشطاء، وصولًا إلى الضحايا الذين سقطوا بسبب تحويل لبنان إلى ساحة مفتوحة لصراعات الحرس الثوري، كل ذلك لا يمكن اختزاله بخطاب "عدم التحريض".

على العكس، فإن من يمارس التحريض الحقيقي هو من يصر على تأطير كل اعتراض ضمن إطار مذهبي، في محاولة لإعادة إنتاج العصبيات التي تغذي بقاءه. إن تسمية الأمور بأسمائها ليست تحريضًا، بل شرطًا لأي نقاش سياسي سليم، وأي محاولة لمنع هذا النقاش هي جزء من منظومة القمع التي تحكم لبنان اليوم.

غير أن الأخطر من كل ذلك هو الانزلاق المتزايد نحو محاولة اختراع عدو داخلي لتبرير استمرار السلاح وتوجيهه حيث لا يجب أن يُوجَّه. فبدلاً من مواجهة العدو الذي يُفترض أن يُشكّل مبرر وجود هذا السلاح، نرى محاولات حثيثة لدفع البندقية نحو الداخل عبر خطاب تحريضي يستهدف كل من يطالب بالدولة والسيادة. فجأة يصبح اللبناني الذي يريد إنقاذ بلده خصمًا يجب تخوينه أو إسكات صوته، وتُعاد صياغة المجتمع على أساس أنه ساحة اشتباك داخلي لا مشروع دولة. وهنا تبرز الفكرة الأكثر إيلامًا، تلك المتعلقة بالأمهات في بيئة حزب الله، اللواتي يتم التعامل معهن لا كأفراد يتمتعون بحقوق ومشاعر وحياة، بل كجزء من ماكينة تعبئة تُختزل فيها الأمومة إلى وظيفة تضحية دائمة.

إن إعادة هؤلاء الأمهات إلى إنسانيتهن، إلى حقهن في الخوف على أبنائهن لا في دفعهم إلى الموت، ليست خيانة ولا تحريضًا، بل هي فعل أخلاقي بامتياز. فالمجتمع السليم لا يُبنى على تمجيد الموت، ولا على تحويل الأمهات إلى شهود صامتين على خسارات لا تنتهي، بل على حماية الحياة وصون الكرامة الإنسانية. ومن هنا، فإن كل خطاب يسعى إلى إسكات هذه الحقيقة أو تصويرها كتهديد، هو خطاب يكرّس العنف لا يواجهه.

المفهوم الثالث، وربما الأخطر، هو الترويج لفكرة "الهدنة" بوصفها بديلاً عن السلام، وكأن اللبنانيين محكومون بالعيش في حالة من الضبابية الدائمة والتأرجح بين حرب وأخرى. لا أحد يرفض الهدنة من حيث المبدأ، لكنها تصبح جريمة سياسية عندما تُطرح كحل دائم في ظل وجود سلاح خارج إطار الدولة. فالهدنة، في معناها الحقيقي، هي إجراء مؤقت بين دولتين أو طرفين سياديين، أما في وضع لبنان، فهي تتحول إلى غطاء لاستمرار واقع الشذوذ السيادي، حيث تبقى الدولة عاجزة ومصادرة، فيما يحتفظ حزب الله بقراره العسكري المستقل. إن القبول بهذه المعادلة يعني عمليًا تكريس لبنان كدولة فاشلة، تعيش على هامش الاستقرار الإقليمي بدون أن تكون جزءًا منه. في المقابل، فإن السلام، مهما كان صعبًا أو مكلفًا سياسيًا، يبقى الخيار الوحيد القادر على إعادة تعريف دور الدولة واستعادة سيادتها، شرط أن يمر حكمًا عبر نزع سلاح حزب الله وإعادة القرار الأمني والعسكري إلى مؤسسات الدولة.

وفي هذا السياق، يصبح استحضار مقولة علي بن أبي طالب "لا رأي لمن لا يُطاع" أكثر من مجرد اقتباس بلاغي، بل توصيفًا دقيقًا للحالة اللبنانية الراهنة. فالدولة التي لا يُطاع قرارها، والتي لا تحتكر السلاح، والتي تُفرَض عليها سياسات خارجية وأمنية من خارج مؤسساتها، هي دولة بلا رأي فعلي، مهما اجتهد مسؤولوها في إصدار البيانات والخطابات. ومن هنا، فإن أي حديث عن إصلاح أو إنقاذ أو حتى عن مستقبل لبنان، يبقى فارغًا ما لم يُعالج هذا الخلل الجوهري.

لبنان اليوم ليس بحاجة إلى شعارات جوفاء ولا إلى مفاهيم ملتبسة، بل إلى إعادة هيكلة دقيقة وعميقة لواقع الدولة، تبدأ من استعادة السيادة الكاملة وتنتهي بإخراج البلاد من منطق "الهدن المؤقتة" إلى أفق الاستقرار الدائم. وكل ما عدا ذلك، ليس سوى إعادة تدوير لأوهام أثبتت فشلها، ودفع اللبنانيون ثمنها دمًا وخرابًا على مدى عقود.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.