: آخر تحديث

انسحاب الإمارات من أوبك… ماذا تغيّر في حسابات أبوظبي؟

3
3
3

لم يكن خروج الإمارات من "أوبك" و"أوبك+" خطوة تقنية مرتبطة بحصص الإنتاج فقط، بل بدا أقرب إلى إعلان سياسي واضح مفاده أن أبوظبي لم تعد مستعدة للبقاء في أي إطار جماعي إذا شعرت أن كلفته الاستراتيجية والاقتصادية أصبحت أعلى من عائده. فالإمارات التي وسّعت قدرتها الإنتاجية خلال السنوات الأخيرة رأت أن استمرار القيود الجماعية يحرمها من استثمار كامل طاقتها النفطية، ويضع سقفاً سياسياً واقتصادياً على طموحها كقوة طاقة صاعدة.

لكن هذه الخطوة لا يمكن فصلها عن التحولات الأوسع التي فرضتها تطورات الإقليم، ولا سيما تداعيات الحرب التي شنتها إيران على الخليج، وما تركته من أثر مباشر وعميق على الحسابات الأمنية الإماراتية، فأنور قرقاش وصف العدوان الإيراني الأخير بأنه شديد ومتعمّد ومحسوب، وعدّه نقطة تحول حاسمة في الإقليم، بما يعني أن مرحلة ما بعد هذه الحرب لم تعد تحتمل إدارة المصالح الإماراتية بالأدوات القديمة نفسها أو بالرهان نفسه على أطر جماعية قد لا تكون قادرة على الحماية أو الردع أو حتى مواكبة حجم التهديد.

من هنا، يبدو الانسحاب من "أوبك" جزءاً من متطلب أوسع للتأقلم مع أوضاع استراتيجية جديدة، عنوانها أن أمن الإمارات ومصالحها لا يمكن أن يظلا رهناً بحسابات جماعية لا تعكس بالضرورة أولوياتها أو مستوى التهديد الذي تواجهه، فالحرب لم تفرض فقط مراجعة للعلاقة مع إيران، بل فرضت أيضاً مراجعة أعمق لفكرة الاعتماد على التوازنات التقليدية، ولحدود فاعلية المنظمات والتحالفات حين تتعرض الدولة لتهديد مباشر.

وقد لخّص الدكتور أنور قرقاش، المستشار الدبلوماسي لرئيس دولة الإمارات، هذه الرؤية بوضوح حين قال: "السرديات المعلّبة التي يروّج لها البعض بطبيعتها واهية، فيما يظلّ الاستقلال الاستراتيجي خيار الإمارات الثابت الذي لا حياد عنه. بوصلتنا المصلحة الوطنية، واستقرار المنطقة وازدهارها. أما الحملات الإعلامية فهي عابرة وتنعكس سلبًا على مُروّجيها، والأزمات تُحرّر القرار ولا تُقيّده".

وإذا جرى النظر إلى هذه الخطوة بعيدًا عن ظاهرها التقني، فإنها لا تبدو مجرد تعديل في موقع داخل منظمة نفطية، بل تحمل في داخلها مجموعة من الرسائل السياسية التي تعكس طريقة تفكير أبوظبي في إدارة تحالفاتها، وحدود التزامها بها، وطبيعة المعيار الذي تقيس به جدواها.

بلا شك، فإن الرسالة الأولى في هذا الانسحاب أن الإمارات باتت تنظر إلى التحالفات بمنطق الأدوات لا بمنطق الالتزامات الدائمة، فهي لا تتعامل مع المنظمة أو التكتل بوصفه إطاراً مقدساً، بل باعتباره وسيلة تخدم الأمن والازدهار والمكانة؛ فإذا تحوّل هذا الإطار إلى قيد أو إلى منصة تُمكّن الآخرين من الحد من حركتها، تصبح المراجعة أو الانسحاب خياراً مشروعاً من منظورها السيادي.

غير أن هذه القراءة لا تكتمل عند حدود تعريف التحالفات، بل تمتد إلى سؤال أكثر حساسية يتعلق بقدرة الدولة على تحمّل تبعات هذا النوع من القرارات، وما إذا كانت تمتلك الأدوات التي تجعل الاستقلال خيارًا قابلاً للتطبيق لا مجرد شعار سياسي. وهي محتوى الرسالة الثانية أن أبوظبي تريد القول إنها قادرة على تحمّل كلفة القرار المستقل.

فالدول الصغيرة أو المتوسطة غالباً ما تتمسك بالمؤسسات الجماعية لتعويض محدودية وزنها، أما الإمارات فتتصرف على أساس أنها راكمت من أدوات القوة ما يسمح لها بتعويض بعض مزايا الأطر الجماعية عبر المال والاستثمار والموانئ والدبلوماسية النشطة والشراكات الثنائية.

أما الرسالة الثالثة فهي موجهة إلى الجميع أكثر مما هي موجهة إلى طرف بعينه: الشراكة مع الإمارات لم تعد تعني قبولها التلقائي بترتيبات لا تخدم أولوياتها الوطنية، حتى لو جاءت من شركاء كبار أو من أطر اعتادت أبوظبي العمل ضمنها لعقود. وهذه الرسالة تتصل مباشرة بما قاله قرقاش إن "بوصلتنا المصلحة الوطنية، واستقرار المنطقة وازدهارها|، وإن "الأزمات تُحرّر القرار ولا تُقيّده"، بما يجعل الانسحاب من "أوبك" تطبيقاً عملياً لهذه العقيدة السياسية لا مجرد خطوة ظرفية.

وإذا كان كثيرون قد اعتقدوا في السابق أن الإمارات، بحكم حجمها أو طبيعة موقعها، ستظل مضطرة للبقاء داخل كل الأطر التقليدية مهما تراجعت جدواها، فإن ما حدث يثبت العكس تماماً، فالإمارات أظهرت أنها قادرة على اتخاذ خطوات كان يُظن أنها فوق قدرتها السياسية أو فوق هامشها الاستراتيجي، وأنها مستعدة لتحمل تبعاتها حين ترى أن المصلحة الوطنية تتطلب ذلك.

لهذا، قد لا يكون الخروج من "أوبك" هو المحطة الأخيرة، بل ربما يكون بداية مسار أوسع من إعادة تعريف العلاقة مع منظمات إقليمية وترتيبات عربية تقليدية إذا تبيّن أنها لم تعد توفر الغطاء أو الحماية أو العائد السياسي الذي تحتاجه الإمارات في المرحلة المقبلة، وليس المقصود هنا أن أبوظبي تتجه إلى القطيعة مع محيطها، بل إنها تقترب أكثر من نموذج جديد، يكون البقاء حيث توجد الفائدة الحقيقية، والمراجعة حيث تتراكم الكلفة، والخروج حيث تصبح العضوية عبئاً على القرار والمصلحة.

المؤشرات المتوافرة توحي بأن أبوظبي تتجه نحو علاقات خارجية أكثر انتقائية ومرونة، تقوم على تنويع الشراكات وتوزيع المخاطر وتعظيم الهوامش، فبدلاً من الارتهان لمحور واحد أو لإطار واحد، ستسعى إلى إدارة شبكة واسعة من العلاقات الإقليمية والدولية بحسب الملف والمصلحة والفرصة.

في هذا النموذج، لن تُبنى العلاقات على العواطف السياسية أو على الشعارات الكبرى بقدر ما ستُبنى على الحسابات الدقيقة: أين توجد الفائدة؟ أين يوجد الأمن؟ أين يمكن تحويل الاقتصاد والاستثمار والطاقة واللوجستيات إلى نفوذ طويل الأمد؟ ولذلك فإن مستقبل العلاقات الإماراتية، كما يبدو، سيكون أقل خضوعاً للثنائيات التقليدية من نوع صديق وخصم، وأكثر اقتراباً من منطق الشريك المفيد، والمسار المفيد، والترتيب الذي يحفظ الاستقلال ويعظّم المكاسب.

الخلاصة، أن ليس انسحاب الإمارات من "أوبك" إعلان غضب، بل إعلان مبدأ، والمبدأ هنا بسيط لكنه عميق، لا قيمة لأي عضوية إذا لم تصب في خدمة المصلحة الوطنية، ولا معنى لأي تحالف إذا تحوّل إلى قيد على القرار السيادي. بهذا المعنى، فإن الخطوة الإماراتية لا تقول إنها تنسحب من العالم، بل تقول إنها تريد أن تتعامل معه من موقع أكثر استقلالاً وثقة وقدرة على اختيار ما يناسبها وترك ما لا يناسبها.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.