في لحظةٍ إقليمية دقيقة، تتسارع فيها المفاوضات، وتعلو فيها الأصوات، وتخفت أخرى خلف الأبواب المغلقة، تدور رحى حديثٍ طويل بين الولايات المتحدة، وإيران. حديثٌ تُعلن بعض ملامحه، وتُخفى تفاصيله خلف أسوارٍ لا تُرى، حيث تُصاغ المصالح، وتُعاد هندسة التوازنات، ويُترك السؤال معلقًا في أذهان الشعوب: إلى أين تمضي المنطقة، ومن يدفع الثمن؟ هذه المفاوضات، طالت أم قصرت، نجحت أم تعثرت، ليست هي كل القصة، ولا يجب أن تكون محور قلقنا الأول. فالتجارب علمتنا أن ما يُطبخ بعيدًا، لا يكون دائمًا على مقاس أمننا، ولا على قدر طموح شعوبنا.
ومن هنا، يأتي النداء، لا من باب القلق، بل من منطلق الثقة، موجَّهًا إلى قادة دول الخليج العربي، قبيل اجتماعهم التشاوري في جدة، أو في أثنائه. خلّونا، يا قادتنا وحكماءنا، بعد ما بذلتموه من جهودٍ عظيمة لاحتواء الأزمات، وبعد ما انتهجتموه من سياسة حكيمة في النأي بالنفس عن الصراعات، ننتقل إلى ما هو أبعد وأرسخ وأبقى، وأن نُعلنها كلمةً واضحة: وحدتنا خيارنا الذي لا رجعة فيه. لقد أسس آباؤنا، رحمهم الله، لتعاونٍ طال أمده، ولكيانٍ أثبت عبر العقود أنه ليس مجرد إطارٍ سياسي، بل منظومة مصيرٍ مشترك، وأمنٍ واحد، ووجدانٍ متصل. قال الله تعالى: "واعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا"، وقال جل شأنه: "إنما المؤمنون إخوة"، وفي الحديث الشريف، "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشدّ بعضه بعضًا". وهكذا يجب أن نكون، لا تُفرّقنا حسابات عابرة، ولا تُشتتنا رهانات خارجية، ولا تُضعفنا أصواتٌ تراهن على تبايننا.
لقد آن الأوان أن يكون صوتكم واحدًا، وكلمتكم واحدة، وموقفكم واضحًا لا لبس فيه: أن أمن الخليج "خطٌ أحمر"، وأن استقراره مسؤولية مشتركة لا تقبل التجزئة. ولطالما قال الحكماء: "إذا اختلفت السهام، ضاعت الرمية، وإذا اجتمعت، أصابت الهدف". وقال الشاعر: إذا تفرّقنا تفرّقت القوى، وتكسّرت فينا السيوف الرُقاقُ، وإذا اجتمعنا شدّ بعضنا بعضًا، فلا يُنال لنا مقامٌ ولا يُطاقُ. إن ما يدور حولنا، ليس مجرد مفاوضات عابرة، بل إعادة تشكيل لمشهدٍ إقليمي كامل، ومن لا يكون حاضرًا بوحدته، سيُفرض عليه ما لا يريد.
ولأنكم، قياداتنا، بحمد الله، أهل الحكمة، وأرباب القرار، وصنّاع التوازن في هذه المنطقة، فإن الشعوب تعلّق عليكم الأمل، لا في إدارة اللحظة فقط، بل في صناعة المستقبل.
الخاتمة:
لقد أثبتت الأيام، أن حكمة قادتنا، وشجاعة رجال قواتنا المسلحة في كل دول الخليج، كانت، بفضل الله، صمّام الأمان، والدرع الحصين الذي حال دون الانزلاق إلى ما كان يُراد لنا أن ننجرّ إليه. ففشلت الرهانات، وسقطت الحسابات، وبقي الخليج متماسكًا، آمنًا، مستقرًا.
واليوم، لا نملك إلا أن نُجدّد الثقة، ونُعلنها يقينًا لا يتزعزع: أن دول الخليج العربي، بالله أولًا، ثم بتضامنها، ستبقى قوةً، ورخاءً، واستقرارًا، مهما تبدّلت الرياح.

