: آخر تحديث

فوضى المواقف.. حين تتحول الأنظمة إلى عبء على الجيران

3
3
2

سارا القرني

تنص الأنظمة على أن المواقف الواقعة أمام المنازل تُعد ملكًا عامًا، لا يحق لأحد احتكارها أو الاستئثار بها، وهي في ظاهرها تشريع عادل يضمن المساواة بين الجميع. لكن، وكما يحدث في كثير من الأحيان، حين تُطبّق الأنظمة دون ضوابط دقيقة، تتحول من وسيلة لتحقيق العدالة إلى باب مفتوح للاستغلال.

المشكلة لا تكمن في النص النظامي ذاته، بل في كيفية استغلاله. فهناك من يرى في هذا التنظيم فرصة للتمدد على حساب الآخرين، دون اعتبار لمبدأ الجوار أو أدنى درجات الذوق العام. حين يمتلك بعض الأفراد عدة سيارات تفوق حاجتهم الفعلية، ويقومون بركنها في محيط منازل جيرانهم لأيام وأشهر، فإن الأمر لا يعود مجرد استخدام مشروع، بل يتحول إلى تعدٍ واضح وإن كان مغطى بغطاء النظام.

المواقف لم تعد مجرد مساحة عامة، بل أصبحت ساحة تنافس غير معلن، عنوانها «من سبق لبق». هذا المفهوم، الذي قد يبدو بسيطًا، خلق حالة من الفوضى اليومية، حيث يجد صاحب المنزل نفسه عاجزًا عن إيجاد موقف لسيارته أمام منزله، بينما تقف سيارات الآخرين -التي قد لا تُستخدم إلا نادرًا- في المكان ذاته لفترات طويلة.

الأمر الأكثر إيلامًا، أن هذا الواقع يُفرض على البعض دون خيار. تجد نفسك مضطرًا للوقوف بعيدًا عن منزلك، تحت أشعة الشمس أو في أماكن غير آمنة، فقط لأن غيرك قرر أن يوسّع نطاق ملكيته غير الرسمية مستفيدًا من ثغرة نظامية. هنا، لا يكون الإشكال في القانون بقدر ما هو في غياب الضبط والتوازن.

حتى الحلول الفردية البسيطة لم تعد مجدية. زرع شجرة لتوفير ظل، أو محاولة تحسين محيط المنزل، قد يتحول إلى خدمة مجانية للآخرين. تدفع من وقتك ومالك وجهدك، وفي النهاية يستفيد منها من لم يشاركك أيًا من ذلك. مشهد يختصر اختلال المعادلة بين الحق والاستغلال.

هذا النوع من الممارسات لا يضر فقط بالراحة اليومية، بل يخلق توترًا اجتماعيًا بين الجيران، ويضعف روح التعايش التي يُفترض أن تكون أساس الحياة السكنية. فالعلاقة بين الجيران لا تُبنى على النصوص فقط، بل على الاحترام المتبادل، والوعي بأن الحقوق لا تُمارس بمعزل عن الواجبات.

الحل لا يكمن في إلغاء الأنظمة، بل في تطويرها. من الضروري إعادة النظر في آليات تنظيم المواقف، ووضع ضوابط تحد من الاستغلال، كتنظيم عدد المركبات لكل وحدة سكنية، أو تحديد مدة الوقوف في بعض المناطق، أو إيجاد حلول بديلة للمواقف في الأحياء المكتظة. كما أن الوعي المجتمعي يلعب دورًا لا يقل أهمية. فحتى في ظل غياب التنظيم الصارم، يبقى الضمير هو الرقيب الأول. أن تدرك أن راحتك لا يجب أن تكون على حساب غيرك، وأن استخدامك لحقك لا يعني إلغاء حقوق الآخرين، هو ما يصنع الفرق الحقيقي.

في النهاية، تبقى الأنظمة وسيلة، وليست غاية. وإذا لم تُحاط بروح العدالة والوعي، فإنها قد تتحول - دون قصد - إلى أداة تضر أكثر مما تنفع.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد