موسى بهبهاني
ما أجمل أن يجد الإنسان ما يذكره بقيمة العمل الموكل إليه، فهو يربط بين الجهد والإخلاص ليرتقي إلى الغاية الأسمى وهو الإنجاز.
سنتطرق في هذا المقال إلى العمل في القطاع البحري، فالكويت منذ القدم اعتمدت على التجارة البحرية الدولية وبناء السفن الخشبية والشراعية، وتلك كانت نواة التوسع نحو الموانئ العالمية، فأبحرت سفنها الخشبية المتعددة إلى دول الإقليم الخليجي والعراق وإيران والقارة الهندية وبعض السواحل الأفريقية، والأجمل أن الطاقم البحري من -المواطنين - اعتمدوا على تلك المهنة في التجارة ومواسم الغوص.
يتكون طاقم السفن البحرية التراثية من:
-النوخذة (ربان السفينة) يمتلك فراسة في الملاحة الفلكية وقراءة منازل النجوم واتجاه الشمال وقوة الرياح والتيارات المائية، ما مكنهم من الإبحار وعبور المحيط الهندي والموانئ المتعددة.
– السكوني (ماسك عجلة توجيه السفينة)
– المجدمي (رئيس البحارة)
– النهام (منشد الأهازيج)
– الغاصة (الغواصين)
– الطباخ (يعد الطعام)
– السيب (يسحب الغواص من قاع البحر إلى سطح السفينة)
– عمال التباب (شباب متدربين).
صدفة جميلة
قبل أيام مضت... وأثناء ترتيبي لمكتبتي الصغيرة وجدت ورقة A4 مدونة بها أبيات من الشعر الجميل، تصف العمل البحري في جميع إداراته بحرفية وإتقان، كتبها أحد موظفي مؤسسة الموانئ الكويتية وهو الشاعر فواز الذيابي.
وتلك الأبيات ذكّرتني بعشقي الأول للعمل البحري، حيث كنا نقبل بحب وعشق لأداء العمل الموكل إلينا بإتقان.
مقدمة
قديماً كانت السفن الصغيرة ترسو في النقع البحرية والميناء القديم (الفرضة) بالقرب من قصر السيف، والسفن الكبيرة ترسو بحراً نتيجة الغاطس العالي، ويتم تفريغ حمولتها بواسطة البارجة (الدوبة) وهي مسطح عائم مخصص لنقل البضائع بحراً إلى الساحل، لذلك بدأ التخطيط لبناء ميناء تجاري كبير ليتم استقبال السفن البخارية والميكانيكية الكبيرة ذات الغاطس العالي،
وتم اختيار (ميناء الشويخ) لتوافر الحماية الطبيعية له.
وقد بدأ العمل به منذ سنة 1953م بإقامة رصيف خشبي موقت، وتم إنجاز بناء ميناء الشويخ على 3 مراحل:
1/ المرحلة الأولى سنة 1956م، رصيف مبني بالحجارة طوله سبعمئة وثلاثون متراً بعمق عشرة أمتار، عبارة عن 7 مراسٍ رئيسية.
2/ المرحلة الثانية، بناء أحواض تشمل مرسى رقم 8 حتى مرسى رقم 14.
3/ التوسعة الأخيرة، بناء أحواض أخرى تشمل المرسى رقم 15 حتى المرسى رقم 21، بالإضافة إلى وجود مرسى خاص لسفن الدحرجة ونقل المعدات وهو مرسى 14A، وعدد مربطين بالحوض المائي (الدلفينات).
تم افتتاح ميناء الشويخ رسمياً في التاسع والعشرين من شهر أغسطس لسنة 1960م.
مستلزمات يجب توافرها في الموانئ قبل استقبال السفن:
إدارة العمليات البحرية والتي تعمل على مدار الساعة وتتعامل مباشرة مع السفن، تحتاج إلى:
1/ المرشد البحري: توجيه السفن أثناء الدخول والمغادرة عبر الممرات الملاحية المؤدية الى الميناء، وتلافي الصخور والسفن الغارقة، ويقوم بعملية تراكي السفينة وانفكاكها بجانب الرصيف بأمان.
2/ القطع البحرية الكبيرة: خدمة مكملة للإرشاد البحري - من مهامها المساعدة في عملية الإرساء والانفكاك من الرصيف - تقديم المساعدة في حالات متعددة (الحريق - إنقاذ الأرواح - قطر سفينة معطلة -...).
3/ زورق المرشد: يقوم بنقل المرشد البحري من الميناء إلى السفن في منطقة الانتظار، وكذلك عند مغادرة السفينة الميناء يقوم باستقبال المرشد بحري بحراً والعودة به إلى الميناء.
4/ زورق الربط (الخلاصية): من مهامه نقل حبال السفينة إلى عمال الخلاصية بجانب الرصيف لربط السفينة بجانب الرصيف.
ضباط الاتصال (البرج): من مهامه التواصل مع ربابنة السفن الآتية والمغادرة لتنظيم عملية دخول ومغادرة وانتظار السفن بالتنسيق مع إدارة العمليات البحرية.
الموانئ كانت في البداية تحت مسمى
(إدارة الجمارك والموانئ).
كان مدير الميناء محمد حسين قبازرد، المسؤول عن العمليات في ميناء الشويخ عند افتتاحه وتشغيله رسمياً كأول ميناء تجاري حديث في الكويت في عام 1960.
كابتن هايدر، مدير إدارة العمليات البحرية.
وكان المسؤولون في تلك الحقبة يحرصون على تسكين الوظائف البحرية على الكوادر الوطنية نظراً لأهمية هذا المرفق الحيوي المهم.
فتم العمل على استقطاب الكوادر الوطنية للعمل كطاقم بحري لإدارة المرفق البحري الحيوي للبلاد من نواخذة السفن الشراعية للعمل (مرشدين بحريين) و(ربابنة للقطع البحرية)، وتم إسناد مهنة البحارة إلى البحارة القدامى العاملين في السفن الشراعية.
أوائل العاملين في العمليات البحرية:
احمد وعبداللطيف الصقر /أحمد المضاحكة/سعد وعبدالوهاب القطامي /إبراهيم بن شيبة / عبدالله إسماعيل /علي إسماعيل / يوسف القصار / أحمد الراشد /إبراهيم الفليج /محمد البحر / محمد وخالد الحشاش/عبدالله الرفاعي /...
والجيل الذي تلاهم من خريجي الثانوية العامة التحقوا في دورة دراسات بحرية في الكويت وابتعثوا إلى دورة خارجية إلى ميناء السويس وهم:
يوسف شهاب / مبارك النويبت /بدر الرشود / حسن زاهد /عبدالوهاب الشمالي /حسن رجب /خليفة النصف / عبدالله الثنيان /حسن حسين/دعيج المالك /...
وشملت الدفعة الثالثة خريجي دبلوم معهد المصائد والملاحة البحرية والتحقوا إلى الأكاديمية العربية للنقل البحري في الاسكندرية، وبعد التخرج كضباط أكاديميين التحقوا بالعمل في ميناء الشويخ (مرشدين بحريين) وهم:
إبراهيم العيسي/صالح الهدهود/عبداللطيف الفارسي/أحمد الطراروة/عبدالعزيز جمال /فرج السعيد/ علي أبل/ حيدر الرامزي /عبدالوهاب الصالح /سعد المعتوق / علي عبدالنور /...
ومنذ عام 1976 تبنت الدولة إقامة دورات للإرشاد البحري وقائدي القاطرات البحرية وضباط الاتصالات تحت إشراف الإدارة المركزية للتدريب، ولاحقاً تم تغيير مسمى الإدارة المركزية إلى الهيئة العامة للتعليم التطبيقي والتدريب.
ولا تزال تتوالى مخرجات الهيئة للقطاع البحري.
مواقف مميزة
عاصرت مديرين عامين كثراً، ولكن تأثرت باثنين، وهما من تركا بصمة واضحة في مسيرتي المهنية بسبب رؤيتهما القيادية وطريقة تعاملهما مع الموظفين وفن إدارة الأزمات ودور القيادة في تعزيز الثقة والتفويض الفعال للمسؤول.
1 – الشيخ / علي سالم العلي الصباح،
سنة 1995 تم تكليفه مديراً عاماً لمؤسسة الموانئ الكويتية، وكونه مع المقاومة ومتواجداً بالكويت في فترة الغزو، يتواصل مع القيادة الشرعية في الدمام ومع المقاومين وأبناء شعبه في الداخل، عرف معدن الكويتي ووثق بأبناء شعبه ولإيمانه بقدرة أبناء وطنه من إدارة العمل، اتخذ قراراً جريئاً بالاستغناء عن خدمات جميع العاملين الوافدين والأجانب، والاعتماد فقط على الكوادر الوطنية في إدارة المرفق البحري المهم والذي يعتبر شرياناً للاقتصاد الرئيسي للبلاد وذلك لغاية مهمة، وهي التأكيد على أهمية العمل في الأماكن والمنافذ الحيوية يجب أن يعتمد على تشغيلها بالكوادر الوطنية كي لا تتأثر الأعمال إن كانت هناك أزمة ما في المستقبل، وبالفعل أثبت الكويتيون قدراتهم على إدارة المرفق الحيوي بامتياز.
2 - الشيخ / صباح جابر العلي الصباح
سنة 1998 تم تكليفه مديراً عاماً لمؤسسة الموانئ، كان قريباً من موظفيه ووثق بقدراتهم وكفاءتهم، واستمر على نهج سلفه ذاته، وحرص على تحقيق قدر عالٍ من التنمية البشرية، واستثمر العنصر البشري بابتعاث الموظفين إلى الخارج لاستكمال الدراسة البحرية والأكاديمية ونيل الشهادات العليا لرفع كفاءة العاملين.
- فتح باب تحويل الموظفين في القطاعات الثانوية إلى القطاعات الفنية.
- توقيع بروتوكول تعاون مع الحرس الوطني، لتدريب المنتسبين على الأعمال الإنشائية والرافعات الجسرية والونشات والمعدات الثقيلة، تحسباً لأي طارئ.
-إعادة تعيين المتقاعدين في القطاع البحري من المرشدين البحريين والاستعانة بهم في تدريب مستجدين واستشاريين والعمل على قيادة السفن عند الحاجة.
***
الأبيات التي ذكّرتني بالماضي الجميل وكتابة هذا المقال للشاعر / فواز الذيباني:
لا تقول المركب القادم كبير ** والرياح غبار وإلا فيه مطر دونه اللي مايهابون الخطير ** ربعنا ما بين بدوان وحضر ما يهمنا لا كبير ولا صغير ** ولا هبوب الريح نلقاها عذر ——— فوق لنج المرشد بساعة نطير ** حاملين المرشد القايد بحر نجعله للمركب القادم سفير ** مرشد فوق المراكب له قدر يحكم المركب على الغب الغزيز ** يعجبك في مركب عنده حضر- والقناة اليا دخلها له نصير ** أهل النكات راوين الصبر بلغ النكات يالقرم البصير ** ويا أهل التكات ردوا له خبر —— فزت التكات فزعة للعشير ** حاكمين المركب ابلمحة بصر
قامت التكات بالمركب تسير ** واحد بالصدر والثاني تفر
نحكم المركب مثل طير مسير ** نجبر في غاية المرشد جبر ——— كلنا في روح وحدة بالمسير ** في عملنا كلبونا نفتخر مانمل من المراكب و السهير ** ولا نهاب من المراكب لو عسر ——— ذا لجل بوحمود يوم انه مدير ** نرخص الغالي ونضرب له صدر بالمواقف أبشر برجل خبير ** ما يتزحزح جعل مايجيه كسر ذا صباح الجابر القرم النظير ** مثل هذا للوطن عز وذخر
ختاماً:
المسؤولون الذين يتركون «بصمة مشرقة»، هم قادة يتميّزون بالرؤية الإستراتيجية، والقدرة على تحفيز فرق العمل، يتركون أثراً عميقاً يتجاوز إنجازاتهم المباشرة إلى تطوير الكوادر وإحداث تغيير إيجابي مستدام.
اللهم احفظ الكويت آمنة مطمئنة، والحمد لله رب العالمين.

