يتعرّض لبنانُ في اللحظة الراهنة، مثله مثل العديد من أرجاء المنطقة العربية، لمخاطر كبرى. فلبنان يعيش منذ سنوات طوال نتائج الصراع، انطلاقاً من أرضه، بين «حزب المحور» الإيراني المقيم فيه والمناوئين له، بمعزل عن دولة «لبنان الكبير» ومؤسساتها وخارج إرادتها، وما يمكن أن تقرّره أو لا تقرّره. أسهم ذلك بشكل حاسم في تهشيم ما كان يُعرّف يوماً بـ«سويسرا الشرق»، وانهيارها الاقتصادي والمالي والسياسي، وإفساد إداراتها، وتهجير نخبها إلى أصقاع العالم، ومنعها أكثر من مرّة من النهوض من جديد، واحتلال إسرائيل جنوبها المَرّة تلو الأخرى، ما حوّلها إلى ما يشبه الدولة الفاشلة التي تقبع في أسفل سلّم الدول في ميادين كثيرة كانت فيما مضى مجلّية فيها. لا شكّ أن هناك أسباباً عديدة أخرى لهذا الانهيار. لكن لا شك أيضاً أنه يستحيل على أي بلاد أن تقوم لها قائمة، ما دامت توجد فوق أرضها دولتان وجيشان واستراتيجيتان واقتصادان وماليتان وعدالتان ونظامان تربويّان، على قدر بالغ من التعارض، تحت غبار كثيف من المقولات والشعارات لطمس الحقيقة الواقعة.
غير أنه، في اللحظة الراهنة، ثمّة ما هو أخطر من ذلك: العنف المهول في التعبير عن المواقف على وسائل الإعلام وعلى وسائل التواصل الاجتماعي، حيث يقذف كل شخص على الملأ بكل ما يعتمر في نفسه من أحقاد وأهوال، وسط التهليل الجماعي المعلن أو المضمر. لا مكان لأيّ تفاهم، وجوٌّ ينبئ بالحروب الأهلية الوشيكة الحدوث. ربما الأمر الأكثر إلحاحاً اليوم هو تدخّل الأمم المتحدة لإرسال قوى عسكرية من دول محايدة، عربية وأجنبية، لمنع اندلاع النار.
في هذه الأثناء، هناك ضوء كاشف بالغ الأهمية لتصحيح الإدراك وتهدئة النفوس الهائجة ومحاولة إعادة الأمور إلى نصابها: ضوء التاريخ اللبناني في الأزمنة الحديثة. فبقدر ما يغرق المرء في حاضره المأساوي تنعدم أمامه الرؤية وتشتدّ حدّته وتعصّبه، وبقدر ما يستعين بالذاكرة، التي هي «شمس الروح»، ويرى إلى حاضره ضمن مسار التاريخ، بقدر ما يهدأ ويقوى على الاستيعاب وفهم الآخر. وينطبق ذلك على الأفراد كما على الجماعات.
وأوّل ما ينبئنا به ضوء التاريخ اللبناني أنّ ما يحدث الآن، على هوله، ليس بالأمر الجديد أو الفريد، بل هو تكرار، بأشكال أخرى، لوضعية عاشتها هذه البلاد منذ ظهور كيانها الأول قبل 165 عاماً، وستعيشها ربما مستقبلاً. والأمر الثاني الذي يقوله لنا ضوء التاريخ، وهو مفتاح فهم كل شيء: ثمة صراع دائم فوق هذه الأرض بين مشروعين كبيرين متعارضين، المشروع اللبناني والمشروع الإقليمي في لبنان. لقد شاءت أقدار الطبيعة والجغرافيا والموقع والهوية والثقافة الخاصّة بمجتمع جبل لبنان، ومن ثمّ بالأنحاء المندمجة معه في كيان واحد، أن ينشأ فيها توق إلى حياة مختلفة عن الحياة السائدة في محيطها العثماني، ومن ثمّ الوحدوي البعثي والناصري، ومن ثم السوري الأسدي، ومن ثم الإيراني الخمينيّ. ويتّسم المشروع اللبناني بالسعي إلى الحرية والتعددّية والتفاعل والانفتاح على الحداثة والعالم وعلى المعرفة والعقل النقدي وتأمين نوعية الحياة البشرية.
وفي وجه هذا المشروع، هناك المشروع الإقليمي في لبنان، الذي يهدف بلا هوادة إلى محو خصوصيته وإعادة دمجه في النظام التسلّطي المشار إليه.
قبل قيام الدولة اليهودية عام 1948، كان شعار المشروع الإقليمي الأهم هو الإطاحة بالمشروع الكياني اللبناني لتحقيق الوحدة العثمانية، ثم الوحدة السورية، ثمّ وحدة الأمة بقيادة الوليّ الإيراني الفقيه. ومنذ قيام إسرائيل، أضاف المشروع الإقليمي شعاراً كبيراً آخر؛ هو شعار تحرير فلسطين انطلاقاً من الأراضي اللبنانية. وطبعاً لا يتم ذلك إلا من خلال السيطرة التامة على الدولة الحاملة للمشروع اللبناني، وفي حال تعذّر ذلك، فيجب القضاء عليها. هذا هو واقع الحال الذي عانى منه لبنان ويعاني الويلات، والذي لم يضعف إسرائيل على مرّ الزمن، بل زادها قوّة.
وللتخفيف من وطأة الحاضر وتهدئة رؤوسه الحامية، تتوجّب الإشارة إلى أن الصراع الراهن بين حزب «المحور الإيراني»، و«دولة المشروع اللبناني»، ليس هو الأخطر في هذا المسار المأساوي الطويل؛ بل هو أقل خطورة ودموية بكثير من مفترق 1860، ومن مفترق 1915 - 1918، ومن مفترق 1975 - 1990، التي راحت ضحيتها مئات آلاف القتلى وسط بحر من الآلام. فيجب أن يعي الغارقون في الحاضر أن الماضي لم يكن أرحم، وقد تمّ تخطّيه.

