: آخر تحديث

اللغة العربية.. وقصة الأزرار

2
5
4

عندما نقول إن كلمة مخدّة أو زيتون أو سكر أو الرز، وغيرها المئات، تقبّلها الأسبان من أصلها العربي، فلا يعني ذلك أنها مجرد تبنّي تسمية لقطعة ما، بل غالباً ما تعني أنهم تعرفوا على مادة جديدة، وتقبلوها مع تسميتها. وهكذا فعل العالم مع مكتشاف أو مخترعات الغير، فالكل تقريباً قام باستخدام التليفون، وتقبّل الاسم مع الجهاز. حتى كلمة الرد «ألو»، التي سبق أن اقترح المخترع الأمريكي الكبير أديسون استخدامها، تقبّلتها أغلبية دول العالم. لكننا قمنا، وبغباء واضح، ونكران لفضل الغير، بتعريب أسماء الكثير من تلك الأجهزة، ببدائل مشوّهة، مع غياب تام لأي فضل لنا في اختراعها، أو حتى صنعها! والغريب أن لدينا الكثير من الكلمات، التي تعود للغات أخرى، مثل ديوان ودستور وقانون وبند، وجهنم، ومع هذا لم نرفضها، ولم نعربها، فهي تفي بالغرض، ولا خطر من وجودها في اللغة، وبالتالي يجب تقبّل الاختراعات، والمستجدات، مع أسمائها، ووقف التخريب الذي قام به «مجمع العاطلين»، لسنوات، من خلال الإصرار على «التعريب»، وطمس حقوق الغير، دون وجه حق.

* * *

من الأمور الطريفة الأخرى في الحياة أن الأشياء الجديدة، تاريخياً، يتعرّف الأكثر غنى عليها قبل غيره، ومن هذه الأمور «الأزرار». لكن لماذا توضع على الجانب الأيمن من ملابس الرجال، وفتحاتها على الجانب الأيسر، والعكس في ملابس الإناث؟

قبل ظهور الأزرار، كانت الملابس تُربط عادةً بأشرطة، أو تُثبت بدبابيس أو مشابك، لكن مع القرن 13، شاع استخدام الأزرار، ومعها شاعت عادة وضعها في اتجاهين مختلفين، للرجال والنساء.

لا يبدو أن أحداً يعرف، على وجه اليقين، سبب ذلك، لكن بعض التفسيرات الأكثر شيوعاً تتعلق باعتبارات عسكرية. فوفقاً لمؤلفي كتاب «فن الفروسية: الأسلحة والدروع الأوروبية»، الصادر عن متحف متروبوليتان للفنون، كانت الدروع الواقية للصدر، في العصور الوسطى، تتكون من لوحين منفصلين متداخلين، لضمان عدم انزلاق رأس رمح العدو بينها. وكان يتم تجميع اللوحين بتداخل اللوح الأيسر مع الأيمن، بحيث يتم توجيه الجانب الأيسر، المحمي بالدرع، نحو العدو. لهذا السبب، كما يقولون، «لا تزال أزرار سترات الرجال تُفتح من اليسار إلى اليمين حتى يومنا هذا».

أما التفسير الأكثر ترجيحاً فإنه يعود إلى الفترة، التي أصبحت فيها الأزرار رائجة في أوروبا خلال القرنين الـ13 والـ14. في ذلك الوقت، كانت الأزرار تُصنع غالباً من مواد ثمينة، وكانت دلالة على المكانة الاجتماعية والثروة، وكانت ملابس النساء، على وجه الخصوص، تتسم بتعقيد شديد، وتتألف من قطع عدة يصعب على النساء ارتداؤها، وخلعها، دون مساعدة، وبالتالي كانت الوصيفة أو الخادمة هي التي تقوم بإغلاق الأزرار، ووضعها على اليسار كان يسهل مهامها، واستمر الرجال في الاستفادة من وجود الأزرار على الجانب الأيمن، لأنهم عادةً ما يرتدون ملابسهم بأنفسهم، لذا يصعب عادة على رجل إغلاق ازرار قميص رجل آخر.

مع الوقت انتشر تثبيت مكان الأزرار لدى الطرفين، ليصبح معياراً معتمداً حتى اليوم.


أحمد الصراف


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد