: آخر تحديث

الصّين تختبر العالم

7
7
6

منتجاتٌ عاليةُ الجودة، بأسعارٍ رخيصةٍ وخيالية، هو مَا تهدفُ إلى تصديره الصّين، بكمياتٍ تثير الرُّعبَ في القلوب. وداعاً للبضائع سيئة السُّمعة، فالاستراتيجيةُ الجديدةُ للرَّئيس الصّيني شي جينبينغ، لا تركز على المنسوجَاتِ والألعابِ والزّجاجيات، كمَا في السَّابق، بل السَّيارات الكهربائية، وبطارياتِ الليثيوم والألواح الشمسية. وبدلاً من تحفيز المستهلك الصيني على الصَّرف والشراء، كما تفعلُ الحكومات عادةً، قامتِ الصّين بتوجيه القروضِ والاعتمادات المالية نحو زيادةِ القدرة الإنتاجية للمصانع، التي يمكنُها التَّسويق في الخارج. وبهذا تبتكرُ الصّين مفهوماً جديداً قوامُه أنَّ النجاحَ الاقتصاديَّ لا يتحقّق بزيادةِ سرعة النمو، وإنَّما بالانتشار والتَّمدد التجاري. لهذا تذهبُ ملياراتُ الدولةِ بشكلٍ خاص لدعم السياراتِ الكهربائية، والبطارياتِ والطاقة المتجددة، بحيث يتمُّ تهدئةُ الحركةِ في الداخل، وإحداثُ صدمة في العالم.

وقبلَ أن ننسَى خبرَ الفَائضِ التّجاري الصّيني الذي تجاوز تريليونَ دولار العام الماضي، أظهرتِ البياناتُ الرسمية، رغمَ الحربِ حاميةِ الوطيس، زيادةً في الصادرات الصينية بلغت نحو 15 في المائة في الأشهر الثلاثة الأولى من السَّنة الحالية، مقارنةً بالفترة نفسها من العام المنصرم.

الفضلُ يعود للقفزات الكبيرة في مجالات الذكاءِ الاصطناعي وأشباهِ الموصلات، والأليافِ الضوئية، بحيث إنَّ هذه الأخيرة وحدَها ارتفعت أرباحُها 336 في المائة، وقسْ على ذلك.

هكذا انتقلنا من مقولة «الصين مصنعُ العالم» إلى «الصين مختبرُ العالم»، إذ تتحوَّل الربحيةُ الكبرى، من الصناعاتِ التقليدية إلى المنتجات التكنولوجية المبتكرة، وحتى في قطعها الصغيرةِ الضرورية، لمصنِّعي الطائرات والسيارات. ولو قُدّر للحرب أن تؤثرَ في نتائج النصف الثاني، كما هو متوقعٌ، فالصينيون يعوّلونَ بعد ارتفاع أسعار البترول على تعويضِ خسائرهم من معدّات الطاقة النظيفة التي يحتكرون أكثر من 80 في المائة من صناعتها الكلية.

وجاءَ ملف «الفاينانشال تايمز» عن الصّين الذي نُشر مؤخراً، حول صدمةِ الصين الصّناعية الثانية التي ستُغرق العالمَ بالبضائع، ليجعل الخائفين أصلاً، يرتعدون مما ينتظرهم. صحيح أنَّ الصين تعيش تباطؤاً، ويستهلك سكانُها اقلَّ من ذي قبل، ولها مشكلاتُها البنيوية التي لا يستهان بها، لكنَّ المصانعَ عددُها ينمو، ووصلت إلى ستة ِملايين، منها ما يعمل على مدار الساعة، بهدف الدَّفع بأكبر قدر من البضائع إلى خارج البلاد، فيما يشبه تسونامي غير مسبوق. وهو ما ينظر إليه أغلبُ الغرب على أنه تهديد فائق، لا بدَّ من محاربته. ولكن كيف؟ هل رفع الضرائب كما فعلت أميركا يكفي لحمايةِ الصناعات المحلية؟ وماذا إن كانتِ المنتجات الصينية لا بديل عنها؟ أو أنَّ أسعارها انخفضت إلى حدّ لا يقاوَم؟

سيارة «بي واي دي» الشهيرةُ نزل سعرها إلى نحو 17 ألف دولار، بعد أن كانت بعشرين، كذلك نقص سعر سيارة شركة «نيو» الرياضية، ما يقارب الربع. وبحكم الإغراء التصميمي والمالي، صارت سيارة «جايكو 7» الصينية، التي تكلِّف نحو 29 ألف جنيه إسترليني، الأكثر مبيعاً في بريطانيا. كيف لا تخترق الصين وبمقدورها أن تبيعَ سيارتها أو أيّاً من منتجاتها بنصف السعر الأوروبي أحياناً، وترضى بهامش ربح بسيط! وهو ما يمكن أن يتسبَّب بإفلاسٍ أو إحباطٍ للمصنِّعين في أي دولة اخرى، إلا الصين.

أنت أمام دولة لا يزال التمويل فيها رخيصاً، والحكومة داعمة، وموجِّهة ومشرفة، كالأم الحنون. ويعرف الصينيون أن الربح السريع ليس الهدف، بل السعي النهائي هو للسيطرة على السوق وامتلاكها لسنوات مقبلة، عندها يمكن استدراك ما فات.

أمَّا اليوم، فهي مرحلة التأسيس والتمدد وإثبات الذات، ومحاولة تعويض الربح القليل بالبيع الوفير. وإن كان الغرب يغلق أبوابه أو يواربها في وجه هجوم البضائع الصينية، فأفريقيا كلها مشرعة، وأميركا اللاتينية متاحة، وآسيا سوق كبيرة، والعالم العربي متعطش، وإن بدت المخاوف جمّة على الصناعات المحلية الصغيرة التي لا تزال تقاوم، في بلدان مثل مصر والمغرب ولبنان وحتى سوريا.

كانت الصين في العقود القليلة الماضية مستعجلة، تسير بسرعة البرق، وتُنتج أي شيء يباع... النتيجة فقاعات عقارية، وديون كبيرة، وأزمات اجتماعية. أما وقد أمَّنت لنفسها مكانةً في الصفوف الأولى، فقد جاء وقت ضبط عقارب الساعة، وإعادة التوازن إلى الاقتصاد.

وكي تتصدر الصين الجميع بحق، وهو ما تسعى إليه، فإنها تعمل بتؤدة، وبكثير من التأني والتخطيط طويل النفس. والتحضير هو لعلامات تجارية برّاقة، وأسعار لا تنافَس، وقدرة على اختراق الأسواق والسيطرة عليها برضا المتسوقين ومحبتهم.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد