: آخر تحديث

المطلوب ليس الحرمان.. بل...

3
3
3

أخطر ما يمكن أن تواجهه أي سياسة إصلاحية حكومية في الظروف غير العادية ليس الرفض، بل سوء الفهم.

إذا فُهم الترشيد في استخدام كل الموارد بالنسبة للمواطن على أنه تقليص أو انتقاص، فإنه بالتأكيد سيُقابل بالحساسية، اما أذا قُدِّم بوصفه ضمانًا للاستمرارية، فسيُستقبل بالتفهم والتعاون.

تعيش الكويت ومنطقة الخليج، بل العالم كله حاليا ظروفا غير عادية، يعلم الله الى متى ستستمر، وسينعكس اثرها او بدأ بالفعل على مستوى الرفاهية، من حيث استخدام الطاقة والمواد الغذائية والماء وانتاج مجالات التصنيع التي تدخل في تفاصيل حياتنا اليومية، دون ان نلحظها او ندركها.

المواطن الكويتي لم يعتد على الحرمان، لكنه أيضًا لم يكن يومًا بعيدًا عن المسؤولية، والتاريخ شاهد على ذلك، خاصة في الشدائد.

الشعب الكويتي كأي شعب آخر، حين يُخاطَب بصدق، يكون أول من يستجيب.

مناسبة هذا الكلام ان المرحلة الحالية لا تتطلب تغيير ما نملك، بل تغيير طريقة تعاملنا معه... هي لا تتطلب أن نعيش أقل، بل أن نعيش بوعي أكبر.

الترشيد الذي نحتاجه اليوم ليس ترشيدًا قاسيًا يُمكن ان يُشعر المواطن بالتضييق، ما نحتاجه هو ترشيدٌ يقوم على ثبات الأساسيات مثل الغذاء، الماء، الكهرباء، والرعاية، وكل ما يمس الحياة اليومية، وهي امور يجب أن تبقى مضمونة بحدود، وبلا تردد، وهذا امر غير قابل للنقاش.

المطلوب اليوم ترشيد كامل في استخدام نِعَم تعودنا عليها طول حياتنا بالكويت في الظروف العادية، اما اليوم فهناك حاجة ماسة لإعادة توجيه هذا المسار.

من المنطقي، بل لا بد من اعادة توجيه كل انواع الدعوم لكثير من الخدمات الاساسية وغير الاساسية «حسب اهميتها»، بحيث تُمنح بقدر الحاجة، لا بقدر العادة.

بالطبع لن تنجح أي دعوة للترشيد إذا لم يرَ المواطن أن الدولة نفسها تلتزم به.

حين تُطفأ الأنوار غير الضرورية في المؤسسات، ويُضبط الهدر في المرافق، وتُدار الموارد بكفاءة، يصبح الترشيد سلوكًا عامًا، لا تعليمات مفروضة.

عندما يرى المواطن والمقيم تقليل إنارة الشوارع غير الضرورية واطفاء انوار مبان لا تعمل ليلا، فسيلتزم بالتأكيد بتعليمات ترشيد الكهرباء في بيته.

وعندما تضبط الدولة استخدام المياه في وزاراتها ومؤسساتها وبيوت كبار مسؤوليها، بالتأكيد سيتقبلون الفكرة بسهولة أكبر ويطبقونها.

وهنا يبرز دور الرقابة وتطبيق القانون وبجدية اكبر بحق اي مخالف.

لاحظت، وأسعدني ذلك، أن كثيرا من وزارات ومؤسسات الدولة اطفأت انوارها في المناطق غير المستخدمة والضرورية.

حقيقة غاية بالاهمية يجب ان ندركها اليوم وفي هذه الظروف القاسية، ان الترشيد ليس حرمانًا وليس تراجعًا عن مستوى المعيشة، وهو أيضا ليس مساسًا بحقوق المواطن.

الترشيد حماية لما نملكه... قبل أن نفقده.

اعتاد المواطن في الكويت على نموذج رفاهية متكامل، وفّرت فيه الدولة - مشكورة - الأساسيات والكماليات على حد سواء.

هذا النموذج لم يكن خطأ، بل هو انعكاس لقدرة الدولة وحرصها، لكن التحديات التي نعيشها اليوم وبدأت ملامح انعكاساتها تتضح يوما بعد يوم، تتطلب فرض تطوير لهذا النموذج، لا هدمه، وترشيده، لا إلغاءه.

الفارق كبير بين أن تُسحب منك النعمة، وبين أن تُدار بشكل يضمن استمرارها.

مواد التموين مثلا، غير مطلوب الغاؤها بالتأكيد، بل تقليل كميتها المدعومة، باستثناء المواد الغذائية ذات الصدارة في اهميتها.

في لحظات التحوّل بسبب ظروف غير عادية، لا تُقاس قوة الدول بوفرة مواردها فقط، بل بقدرتها على إدارتها بحكمة. وهذا ما نحتاجه اليوم وما تتطلبه الظروف، من وعي أعلى ومسؤولية مشتركة، ما يبرز مفهوم «الترشيد» الحقيقي.

هذه الرسالة وحتى يتم التفاعل معها وقبولها، يجب ان تكون بمضمون أن «الترشيد ليس سحبًا لميزة... بل حماية لها من الزوال».

المواطن الكويتي واعٍ ومتعاون إذا ما كانت هناك مصارحة وشفافية.

وطننا جميل وغال علينا، ومن حقنا التضحية له بقليل من الوفرة والدلال الذي تعودنا عليه في الظروف العادية، والذي سيعود قريبا بعون الله.


إقبال الأحمد


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد