: آخر تحديث

هُرمز: توقيف قسري للسلام

5
4
4

في مضيق هرمز لا تزال البوابة الإيرانية مغلقة، وتحظر مرور السفن المحملة بالسلع، والبضائع، وناقلات النفط، والغاز المسال، وتزيد من حدة التوتر الدولي، وتربك أسواق المال، والطاقة، وتهدد بارتفاع التضخم والكساد في اقتصادات العالم، وتوصد طريق المرور أمام مفاوضات سلام. وفي الوقت ذاته، انطلقت المركبة الفضائية الأميركية «أرتميس الثانية» خلال اليومين الماضيين بنجاح في رحلة تاريخية نحو القمر.

الصورتان تبدوان مختلفتين إلى درجة المفارقة. لكنهما حقيقيتان. الاثنتان تمثلان وجهين لعملة واحدة لعالمنا؛ واحدة تجعل القلوب تنكمش خوفاً، وإحباطاً، والثانية تفتح أمامها أبواب حياة مثيرة، ومستقبل للإنسانية أكثر إثارة. الغريب أن أميركا في قلب الصورتين: في استمرار الحرب، وفي صناعة مستقبل مثير للإنسانية.

الطرق المقترحة أمام السلام في الحرب الدائرة حالياً في المنطقة لا تطمئن، وتتسم بالغموض. إيران تمسك في يدها بورقة واحدة، وأخيرة، وخطيرة على السلام الدولي. ما يُنشر في وسائل الإعلام الدولية عن مفاوضات بين الأطراف المتحاربة عبر وسطاء، وكذلك ما يصدر من تصريحات -في طهران أو في واشنطن- لا يوحيان حتى الآن برغبة حقيقية لدى الطرفين في الجلوس إلى طاولات التفاوض. هذا يفضي إلى استنتاج واحد، وهو أن الحرب من المحتمل أن تطول، وبتأثيرات سلبية ممتدة على الدول، والشعوب، وعلى اقتصادات العالم.

من جهة ثانية، قد لا يكون مُهماً للناس العاديين في بقاع كثيرة من العالم ما يحدث في أرض المعارك من مستجدات، وتفاصيل عسكرية، أو بيانات عن آخر الإصابات البشرية، والحرائق، والدمار. وربما عن غير رغبة منهم يواصلون متابعة ما يصدر عن المسؤولين السياسيين، والقادة العسكريين في البلدان المتحاربة من تصريحات في وسائل الإعلام يوماً بعد آخر، ويدركون مسبقاً أنها معدة سلفاً لتكون بمثابة جرعات تهدئة لامتصاص جنون أسواق المال والطاقة في العواصم الكبرى.

ما يحدث في بوابة مضيق هرمز المغلقة هو في الحقيقة ما يشغل بال الناس العاديين، ويقلقهم، ربما بشكل لا يقل عن قلق القادة، والمسؤولين في بلدانهم، إن لم يكن أكثر. هناك، في تلك النقطة الجغرافية المحددة، يتابع الناس العاديون تطورات الموقف، ويرصدون آخر ما وصلت إليه جهود التفاوض على أمل إتاحة فرصة للسلام بالمرور. الناس العاديون يفكرون بجيوبهم. إطالة أمد الحرب، وتواصل إغلاق المضيق يعنيان تضييق فسحة الحياة أمامهم، وإثقال كواهلهم بأعباء جديدة، ممثلة في ارتفاع أسعار السلع، والبضائع، والمحروقات، وما تفضي إليه من احتمالات انعدام فرص العمل، وارتفاع نسبة البطالة، وتأثير ذلك المباشر على حيواتهم. في بريطانيا مثلاً، تؤكد وسائل الإعلام أن أسعار المواد الغذائية سترتفع بنسبة 9 في المائة خلال الأيام المقبلة، وأسعار الوقود في محطات التعبئة بدأت في «التسلق» منذ أيام. وفي بلدان أخرى، اضطرت الحكومات إلى فرض إجراءات تنظيمية تجنّباً لإصابة الحياة اليومية بالشلل بسبب نقص المخزون من الوقود، والغاز. حكومات عدة طلبت من موظفيها العموميين أداء أعمالهم من بيوتهم، وحكومات أخرى اضطرت إلى التدخل في حركة المرور اليومية، بتصميم خطط بديلة تجنّب إصابة الحياة بالشلل نتيجة نقص المخزون من النفط.

وكالة الطاقة الدولية وصفت ما تسبب فيه إغلاق المضيق بأنه «أضخم اضطراب في إمدادات النفط يشهده تاريخ السوق النفطية العالمية». وفي الوقت ذاته، كشفت الأزمة الحالية أن عمليات التوقيف القسري لحاملات النفط والغاز المسال، ومنعها من المرور في تلك البوابة المائية لا يختلفان عن قطع تدفق الدماء في شرايين قلب الاقتصاد العالمي؛ آخذين في الاعتبار أن خُمس حاجة الاقتصاد العالمي من النفط والغاز المسال ومنتجات الطاقة يمر من ذلك المنفذ المائي الصغير.

الصراع الحربي الدائر منذ 28 فبراير (شباط) الماضي تجاوز أن يكون نزاعاً على نفوذ، أو هيمنة إقليمية، أو سعياً للقضاء على خطر نووي محتمل؛ لقد أصبح صراعاً من نوع آخر. وكلما تأخر فتح تلك البوابة أمام الملاحة الدولية؛ ازدادت الأزمة حدّة، وبدلاً من معاناة أزمة وقود عابرة، سوف يجد العالم نفسه يواجه أزمات عدة، أهمها وأبرزها تفكك وانهيار الثقة في النظام الدولي، بكشف عجزه عن ضمان أمنه المعيشي.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد