: آخر تحديث

تحوّل أدوار الإعلام خلال الأزمات

5
6
5

خلال الأزمات والكوارث يحدث تحوّل عميق في وظائف الإعلام ذاته؛ من ناقلٍ للخبر إلى صانعٍ للأثر، وأيضاً من وسيطٍ بين الحدث والجمهور إلى لاعبٍ رئيس في إدارة الحدث، ففي الأزمات والكوارث، لم تعد المعركة على الأرض فقط، بل في فضاء المعلومات، حيث تُصاغ الروايات، لتُبنى الثقة أو تنهار.

في النموذج التقليدي، الإعلام يأتي بعد الحدث لتغطيته، إذ تُحرَّر، ثم تُنشر، وكان الزمن يسمح بالتحقق والمراجعة، لكن مع فجوة زمنية بين النشر وردة الفعل، غير أن هذه الفجوة اختفت اليوم، حين تحول الإعلام لحظيًا، وأحيانًا سابقاً! ومع هذا التسارع، تغيّر الدور من الإخبار إلى إدارة الحدث.

أول أبعاد تحوّل وظيفية الإعلام خلال الأزمات هو "التوجيه السلوكي المباشر"، كما حدث خلال جائحة كورونا، إذ لم يكن الإعلام مجرد ناقلٍ لأعداد الإصابات، بل أداة لتوجيه سلوك المجتمع، في ارتداء الكمامة، التباعد، تلقي اللقاح، ولعلنا لا نزال نتذكر المؤتمرات الصحفية اليومية لمتحدث وزارة الصحة السعودية، والحملات التوعوية على المنصات الرقمية، ولم يكن الهدف فقط إبلاغ الناس، بل دفعهم إلى اتخاذ القرارات الصحيحة، بينما في دول أخرى لم يقم الإعلام بدوره الوظيفي المتوقع، فأدى إلى ارتباك سلوك المجتمع، مثل ما حدث في الولايات المتحدة الأميركية، نظراً لتباين الرسائل الإعلامية بين القوى السياسية والمؤسسات الإعلامية.

البعد الثاني هو "بناء الثقة المؤسسية"، فالإعلام هو قناة طمأنة الجمهور أو إثارة قلقه، عبر تحجيم الشائعات، وإظهار قدرة الدولة على السيطرة على الأزمة، من خلال إبراز كفاءة أجهزة الدولة، مما يعزز ثقة الداخل والخارج.

أما البعد الثالث، فهو "إدارة الرواية"، نظراً لأن الأطراف المتصارعة في الأزمة سوف تتنافس على تفسير الحدث بغض النظر عن الحدث نفسه! مثل ما نشهده في حرب أوكرانيا، إذ إن المعركة الحالية ليست عسكرية فقط، بل إعلامية بامتياز! كل طرفٍ يسعى لتقديم روايته عبر وسائل الإعلام ومنصات التواصل، مستخدمًا الصور، والفيديوهات، والقصص الإنسانية، فتحول هنا دور الإعلام من ناقل إلى أداة استراتيجية للتأثير الدولي.

أما مكافحة الشائعات والتضليل فهي البعد الرابع، فكما أن سرعة النشر تتيح الوصول السريع للمعلومة، فهي تفتح الباب أمام الأخبار الكاذبة، خلال حرائق أستراليا عام 2020، انتشرت صور ومعلومات مضللة بشكل واسع، ما دفع الجهات الرسمية ووسائل الإعلام المهنية إلى تكثيف جهود التحقق والتصحيح، ليعود تطبيق نظرية الإعلام "حارس البوابة" من جديد، ولكن لهدف حماية المجتمع.

ومن الأدوار المتقدمة أيضًا إدارة التوقعات! لم يعد يُكتفى بإخبار الناس بما حدث، بل بما قد يحدث! مثل التوقعات الجوية، تحذيرات وتعليمات وقوع الخطر، السيناريوهات المحتملة، كلها أدوات إعلامية تساعد في تقليل الأثر السلبي قبل وقوعه، ويمكن القول: إن الإعلام أصبح جزءًا من منظومة الأمن الوطني بالمعنى الواسع، فهو يؤثر في الاستقرار، والسلوك، والثقة.

الإعلام في الأزمات لم يعد يقف على هامش الحدث، بل في قلبه، ويختصر المسافة بين الفوضى والتنظيم، وبين الخوف والطمأنينة، ومن يستطيع إدارة إعلامه خلال الأزمات، لا يدير المعلومة فقط؛ بل يدير الواقع نفسه!


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد