عبد الله سليمان الطليان
كانت الصورة كما هي في وصف القرآن الكريم في قوله تعالى: {وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا}...
اقتربت منه واخذت ادقق في وجهه لقد نحت الزمن تجاعيد غائره وانحسرت نظارته، وهو يرمقني بنظرة فيها تعجب، يحاول تصفح وجهي وقراءة معالمه، بادرني من أنت؟
نزل السؤال في داخلي الألم والأسى، ألم تعرفني أنا قريبك.. لقد زرتك قبل أسبوع... تاه نظره في المكان كمن يبحث عن شيء والألم يعتصر احشائي، أخبرني منهم حوله لقد زاد ضعف الذاكرة لديه، بقي المشهد في داخلي بل أنه أرقني بعدما أخذت استرجعه قبل نومي، وفي الأخير اقتربت من الحقيقة أنه القدر على سائر البشر.
رحت أبحث في مسميات ضعف الذاكرة ومشاكلها المصاحبة من الناحية الطبية، فوجدت أنه هناك اهتماما بها منذ فترة طويلة، لقد ظهر اصطلاح الخَرف (Dementia) في الكتابات الطبية حتى عام 1801م - عندما صاغه فيليب بينل (Pinel) والذي كان وقتها كبير أطباء مستشفى «لو سالبيترييه» وهو مستشفى باريسي كان يخدم عدة آلاف من النساء المصابات بأمراض مستعصية ومزمنة مع مئات من المرضى والمجانين.
وقد صاغ بينل مفاهيمه المتعلقة بالأمراض العقلية في كتاب له نشر عام 1801م، والذي أصبح واحداً من الكتب الكلاسيكية في تاريخ الطب النفسي، بعنوان «العلاج الطبي-الفلسفي للاعتلال العقلي» وفي هذا النص، وصف حالة نفسانية محددة أطلق عليها اسم Démence (بالإنجليزية: Dementia، وبالعربية: خَرف - عتَه) وقد عرفها كنوع من «تفكك» الوظائف الذهنية. وفي مقطع وجيز بعنوان «الخصائص المميزة للخرف»، عرض بينل مجموعة من الأعراض المرضية يمكن أن يكتشفها على الفور أي شخص قائم على رعاية مريض بالحالة المرضية التي نطلق عليها اليوم اسم مرض ألزهايمر:
«تلاحق سريع، أو تبدلات متواصلة من الأفكار المنفردة، ومشاعر متطايرة وغير مترابطة [سواء كانت تلك مرتبطة إحداها بالأخرى، أو بأحداث الواقع الخارجي].
بالإضافة إلى أفعال شاذة متكررة باستمرار: نسيان شامل لجميع الأحداث السابقة، إحساس متضائل بالانطباعات الخارجية، تعطل ملكة الحكم على الأمور، نشاط لا يفتر.» جاء بعد ذلك تلميذ بينل وهو جان إيتيان إسكيرول الذي نُشر في عام 1838م كتاب بعنوان «عن الأمراض العقلية» ذكر فيه أن المرضى بأعراض الخرف لا يحتاج الى مناقشة قائلاً:
(ليست (لديهم) الرغبات ولا المكروهات، ولا البغض ولا الحنان. وهم يُظهرون أكبر قدر من اللامبالاة تجاه الأشياء التي كانت عزيزة عليهم في السابق؛ فهم يلتقون بأقاربهم وأصدقائهم بدون ابتهاج، ويتركونهم بلا ندم. وهم يشعرون بالضيق نتيجة للعزلة المفروضة عليهم، ويبتهجون بصورة أقل بالملذات المقدمة لهم؛ فلم يعد العالم المحيط بهم يستثير اهتمامهم، كما أصبحت أحداث الحياة غير ذات مغزى؛ لأنهم لا يستطيعون ربط أنفسهم بأي ذكرى، ولا بأي أمل.
ولكونهم لا يبالون بأي شيء، فلا يمكن لأي شيء أن يؤثر فيهم...
ومع ذلك، فهم حادوا الطباع، مثل كل الأشياء الواهنة. ويكون أولئك من ذوي القدرات العقلية الضعيفة أو المحدودة. وبالرغم من ذلك، فلا يدوم غضبهم لأكثر من لحظات...
ويعاني كل من يصاب بالخرف تقريبًا، من «نوع من العادات أو الاهتمامات السخيفة»، فبعضهم يستمر في السير بلا انقطاع، كما لو كان يبحث عن شيء مفقود، بينما تكون مشية البعض الآخر بطيئة وهم يواصلون سيرهم بصعوبة، بينما يظل البعض الآخر - لمدة أيام، أو شهور وسنين - جالسين في المكان نفسه، أو قابعين في الفراش، أو ممددين على الأرض، ويستمر هذا النوع في الكتابة باستمرار، لكن أحاسيسه ليس بينها ترابط أو توافق، فالكلمات تتبع الكلمات.. يتبع..

