مع انهمار القذائف الإيرانية على دول الخليج العربية، في ذروة الحرب المستعرة حالياً في المنطقة، افتقد الخليجيون كثيراً من التضامن العربي والإسلامي، خصوصاً من النخب الثقافية والشعبية والفئات غير الرسمية. على النقيض، بعضها وقفت موقفاً سلبياً من اعتداءات طالت البنية التحتية وهددت التنمية والاقتصاد، وروّعت السكان، وعرضت الأمن للخطر!
لذلك يتردد في الخليج عتابٌ مرٌّ تجاه أخوة العروبة والدين، يرافقه شعورٌ عميقٌ بالخذلان، وشعورٌ آخرُ بانكسار «العقد الأخلاقي» الذي يربطنا بالمحيط. هذه الخيبة لا تفُرق كثيراً عما حدث في تسعينات القرن الماضي؛ فترة الغزو العراقي للكويت (1990)، حين انقسم العالم العربي رغم وضوح المشهد الى فسطاطين؛ أغلبهم صفقوا للعدوان المقيت الذي غزا بلداً عربياً وهجر أهلها. في تلك الفترة، كما اليوم، كانت أعين المثقفين العرب وجمهورهم مصوّبة «كما يقولون» نحو «الشعارات الكبرى»، وأما معاناة الخليجيين فلم تكن سوى «أضرار جانبية»! حيث يرى بعض «الأشقاء» أن أي ضرر يصيب دول الخليج (اقتصادياً، أمنياً، وسياسياً) هو «ثمن مقبول» أو «تأثير جانبي» ضروري للحفاظ على الشعارات العروبية (الوحدة العربية، مقاومة الإمبريالية، دعم فلسطين... وغيرها).
أساس هذه الرؤية هي نظرة «الاستعلاء الثقافي» التي لا ترى في الخليج سوى مخازن للموارد، ومناطق نفوذ يجب تطويعها لخدمة «المعركة الكبرى»! وأن هذه المنطقة هي مجرد «أطراف» غنية بالنفط لكنها فقيرة بالشرعية القومية، ناهيك عن ارتهان النخبة للخطاب الشعبوي.
منذ نصف قرن يجادل المثقف الخليجي بأن بلاده تمتلك عمقاً حضارياً وثقافياً وإنسانياً شبيهاً بما لدى الآخرين، وأنها ليست «مدن الملح» كما في بعض التصور القومي، أو «بيوت الزجاج»، كما في السردية الحديثة التي تجردها من المحتوى والفاعلية. الكاتب الكويتي د. محمد الرميحي في كتابه «الخليج ليس نفطاً» حاول أن يلفت انتباه المثقفين العرب إلى أن في الخليج إنساناً وأرضاً وتاريخاً سبق ظهور النفط، وسيبقى بعد النفط. وبعد صدور الكتاب بنحو نصف قرن، أصبحت شواهد التقدم والتنمية والأداء الخليجية شاخصة، لكن ما زلنا في كل منعطف مضطرين إلى أن نذكّر الأشقاء بأن هذا الخليج ليس نفطاً!
«لماذا خذلونا؟»... هذا هو السؤال الخطأ، الذي يتردد صداه في عموم الخليج، يقابله السؤال الصحيح: ماذا كنا نتوقع؟ وما قَدرُ ما يُحسن «الأشقاء» تقديمه لنا في هذا الصراع الكبير...؟ أخشى أننا كنا ننتظر وابلاً من القصائد والكلمات الرنانة التي تشجب العدوان وتمطرنا بكلمات التضامن والتأييد... لذلك لا جدوى من العتاب، وليس صحيحاً أن تسفر هذه الأزمة عن مزيد من الخسائر والتضحيات برصيدنا المعنوي، سواء في حفظ وصيانة مجتمعاتنا من الداخل، أو علاقاتنا العربية، أو أن تستبدّ بنا مشاعر الثأرية والانتقام.
علينا أيضاً أن نبذل جهداً في التعريف بأنفسنا، وبعدالة ما نطرحه ونجادل فيه، نتذكر هنا أنه خلال فترة غزو الكويت (1990) خاض الدكتور غازي القصيبي معركتين طاحنتين ضد طوفان الوعي الزائف الذي اجتاح العالم العربي، وأخذ يعّمي على جريمة العدوان بشعارات زائفة. المعركة الأولى: ضد المرجفين في الداخل مفنداً خطاب التبرير وتزوير الوقائع، وتمزيق وحدة المجتمع في مواجهة اعتداءات الخارج، وسجلها في كتابه «حتى لا تكون فتنة»، والمعركة الأخرى ضد سردية الخطاب العربي التي سوّقت للاحتلال تحت شعارات قومية، وجمعها في كتابه «في عين العاصفة»، وهو كتاب يمثّل «مانيفستو» العتب الخليجي على المثقف العربي. يقول القصيبي في هذا الكتاب: «الحياد فضيلة عندما تكون المعركة بين شر وشر، ولكنه رذيلة عندما تكون المعركة بين حق وباطل.. الحياد ذكاء عندما يكون الصراع بين ظالم وظالم، ولكنه حمق عندما يكون الصراع بين ظالم ومظلوم».

