في عتمة نفسية ناشئة عن أحوال يعيشها لبنان المغلوب على أمر قراره السيادي، وكيف أن تلك العاصمة البهية بيروت باتت متشحة بكل أنواع البشاعة... في العتمة تلك وفيما الخشية من صاروخ إسرائيلي يمكن إطلاقه على منزل قريب من مكتبك فينهي حياتك، أو على مصلين في طريقهم إلى المسجد لأداء صلاة الجمعة، أو مبتهجين بالتوجه إلى الكنيسة للاحتفال بـ«أحد» الشعانين، يفاجئنا بعض رموز العدوان الذي لم يُبقِ حجراً على حجر في بعض مباني الجنوب اللبناني والضاحية الجنوبية من العاصمة بأقوال مستهجَنة أدبياً وأخلاقياً تزيد من منسوب العتمة النفسية، وتجعل المرء مثل حالي الحزين على أحوال النازحين اللبنانيين الجنوبيين الذين باتوا يشكِّلون مع النازحين الغزاويين، إضافة إلى ألوف النازحين في السودان، مجتمعاً عربياً كان غير مألوف الحدوث إلى أن وقعت واقعة الاختطاف الحمساوية، وأشعل الاختطاف عدواناً على أهل غزة جميعاً.
وبذلك تحدُث اعتداءات أنتجت فواجع شكَّل المسعى الصافية نيات دوله ملامح الأمل في انفراجات بعد الذي قاله وزير خارجية باكستان عن نتائج طيِّبة بعد اجتماع جرى الأحد 29 مارس (آذار) 2026 في إسلام آباد، وشارك فيه الوزير الباكستاني ووزراء خارجية كل من السعودية ومصر وتركيا.
ولقد أشاع رؤساء الدبلوماسية أولئك أجواء من التفاؤل حيث خرجوا من اجتماعهم متفائلين.
هذا في حد ذاته يبعث بعض الأمل في أن ترجمة المسعى الباكستاني - السعودي - المصري - التركي قد تلقى حكمة رؤيته الصدى الطيِّب في النفس الأميركية التواقة إلى حل، وإن هي تُطلق إشارات حول مستوى المواجهة مع إيران التي من «مآثر» عمليات حرَسها تهديد الجامعات الأميركية في المنطقة العربية وفنادق بضربات صاروخية. وهذا أمر أخذتْه على محمل الجد والتحسب الجامعة الأميركية في بيروت ذات التراث العريق عِلمياً وثورياً فاستبق رئيسها الخطر المحتمَل، داعياً الطلبة إلى التعلم عن بُعد والدراسة من منازلهم.
الحديث يطول حول ظواهر العتمة ومظاهر الناس المعتَّمين. وفي هذه العتمة النفسية وترقُّب المسيّرات الإسرائيلية حول القيادات المستهدَفة على أهون سبيل.
ووجدُت في كلامٍ سبق أن قاله حكماء الزمن الغابر، ما يبعث في النفس بعض الراحة. والكلام المشار إليه عبارة عن حِكم ونصائح ما أحوج الذين تضعهم الأقدار في القمم إلى التبصر بها. مِن هؤلاء الحكماء قول سقراط لكل من يتولى السُلطة: «شاور الجميع... ثم شاور نفسك»، وقول الإمام الشافعي:
إذا نطَق السفيه فلا تُجبه
فخير من إجابته السكوت
سكتُّ عن السفيه فظن أني
عييتُ عن الجواب وما عييتُ
فإن كلَّمْتَه فرَّجتَ عنه
وإن خلَّيْتَه كمداً يموت
وقوله:
يخاطبني السفيه بكل قُبح
فأكره أن أكون له مجيباً
يزيد سفاهة وأزيدُ حِلماً
كعودٍ زادهُ الإحراق طيباً
وقوله أيضاً:
متاركةُ السفيه بلا جواب
أشدُّ على السفيه من الجواب
وقول طاغور: «ندنو مِن العَظَمة بقدْر ما ندنو من التواضع». وقول فولتير: «السفيه قادر على ارتكاب كل شيء». وقول طاغور أيضاً: «ما تاه إلا وضيع... ولا فاخَر إلا سقيط». وقول الكاتب اللبناني ميخائيل نُعيمة «إعجاب الإنسان بنفسه دليل على صِغَر عقله». وقول الشاعر من الزمن الغابر بشَّار بن بُرد:
ولا تحسب الشورى عليك غضاضة
فإن الخوافي قوة للقوادم
ويبقى الأكثر عمقاً في النفس والروح من هذه الوصفات لعلاج العتمة النفسية التي ليست حصراً عليَّ حتى إنها شاملة الذين يخافون ربهم ويريدون خيراً لوطن سيد نفسه وقراره. ومن الوصفات هذه قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «أيها الناس. إن أفضل الناس عبْد تواضَع عن رِفعة». وقول الإمام علي: «الاستشارة عين الهداية، وقد خاطرَ من استبد برأيه».
وتبقى عبارات المرجع الديني الأرثوذكسي في لبنان المطران إلياس عودة، أحد حكماء الحاضر، تندرج في النصح ذاته: «في واقِعنا المعاصر يغلب حُب الذات وطلب المال والسُّلطة والتمسك بالمصلحة الشخصية، هذا ما نعانيه في عالمنا على صورة بطش وسطوة. إن الإنسان مخلوق على صورة الله ومثاله، وعِوضَ إكرامه يعملون على إبادته بأسوأ الطُّرق البربرية. إن حب الرئاسة وما يستتبعه من آثام هو مرض روحي، ويدل على الكبرياء والأنانية وقلة المحبة...».

